إن هذه المبادرة، التي لم تسبق إليها أية دولة إسلامية، بالشكل الذي طرحته المملكة العربية السعودية، ما هو إلا تأكيد وانعكاس على انخراط المملكة في مكافحة الإرهاب والتطرف بشتى أنواعه..

أمر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز بإنشاء مجمع للحديث النبوي بهدف كشف المفاهيم المكذوبة عن الرسول ﷺ، كما تم الإعلان على أن تأسيس الهيئة جاء بهدف التدقيق في استخدامات الأحاديث النبوية و»القضاء على النصوص الكاذبة والمتطرفة وأي نصوص تتعارض مع تعاليم الإسلام وتبرر ارتكاب الجرائم والقتل وأعمال الإرهاب». هذا الأمر الملكي لم يفاجئ الغرب فقط بل فاجأ معظم الدول الإسلامية على اعتبار أنه سابقة في العالمين العربي والإسلامي بمبادرة من رأس السلطة السياسية.

لقد أعلنت المملكة العربية السعودية الحرب ضد الإرهاب والتطرف وفق منظومة متكاملة يمكن أن نطلق عليها منظومة «الأمن الشامل»، وذلك من خلال تبني المقاربة الكلاوزفيتزية في مواجهة التنظيمات الإرهابية وتعقب فلولها واستئصال شأفتها من جهة، ومن جهة أخرى العمل على القضاء على البيئة المنتجة والمصدرة لفكر الإرهابيين.

على هذا المستوى، يمكن القول بأن معظم الدول الإسلامية قد حاولت، على استحياء، طرح الأحاديث المنسوبة للجناب النبوي الشريف على طاولة البحث والتشريح والتحقيق، على اعتبار أن هذه المنطقة كانت تعتبر، لسنوات، منطقة محرمة ومجالاً جد حساس قد يُشَكِّل الخوض فيه خطر مواجهة تُهم جاهزة من قبيل اتهام أصحاب هذا الطرح بالقرآنيين ومنكري السنة، والطعن في الصحابة، وإنكار الإجماع....إلخ

إن المملكة، على قناعة تامة بأن التنظيمات الإرهابية هي أكثر من كونها تشكيلات تنظيمية، فهي منظومة أفكار آمن بها الملايين، وبالتالي فإن التشخيص العقلاني وحتى الرؤية الاستراتيجية في مواجهة التطرف يفرض علينا الإقرار بأن مجموعة من النصوص الدينية التي نسبت زوراً للجناب النبوي الشريف تم اعتمادها كمصوغات فقهية في البناءات الإيديولوجية الدموية للتنظيمات الإرهابية.

من هذا المنطلق، عبَّر صانع القرار السعودي على شجاعة سياسية نادرة وأمانة دينية واجبة لوضع بعض الأحاديث النبوية تحت مجهر التحقيق العلمي، وذلك استمراراً للمجهودات التي قام بها الكثير من علماء الأمة الذين وضعوا الأصبع على مجموعة من النصوص والأحاديث المكذوبة تم اعتمادها من طرف التنظيمات الإرهابية كمصوغ شرعي لاستحلال الدماء والأموال والأعراض.

في هذا السياق، فإن إحالة بسيطة على كتب أبو الأعلى المودودي وسيد قطب وسيد إمام الشريف (كتاب الجامع في طلب العلم الشريف والعمدة في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله تعالى)، بالإضافة إلى التأصيلات الدموية التي نطالعها في كتاب «مسائل من فقه الجهاد» لمؤلفه أبو عبدالله المهاجر وكذا كتاب «إدارة التوحش» لمؤلفه أبي بكر ناجي، تحيلنا على حجم وخطورة النصوص التي يتم إلصاقها ونسبتها للرسول الكريم رغم أنه، بالمحصلة، في صحتها الكثير من النظر. وفي هذا الصدد قال سعود بن عبدالله المعجب، في تصريح صحفي، إنّ ‹›القرار يهدف كذلك إلى جمع كلمة علماء المسلمين وإعلاء مكانة وحفظ السنة النبوية الشريفة» مضيفا أنّ المجمع سيعمل كذلك على ‹›كشف المفاهيم المكذوبة عن الرسول ﷺ من خلال دراسة وتمحيص وتصحيح هذه المفاهيم على أيدي جمع من العلماء البارزين، ونبذ ما يفترى عليه... من أكاذيب وتلفيق لأحاديث باطلة ومنكرة وضعيفة».

إن هذه المبادرة، التي لم تسبق إليها أية دولة إسلامية، بالشكل الذي طرحته المملكة العربية السعودية، ما هو إلا تأكيد وانعكاس على انخراط المملكة في مكافحة الإرهاب والتطرف بشتى أنواعه، خصوصاً إذا ما علمنا أن بلا الحرمين الشريفين واجهت بثبات ولا زالت تواجه، بكل شموخ، التهديدات الإرهابية من طرف تنظيمات متطرفة ودول إقليمية التقت مصالحهم مع طرح هذه الجماعات لضرب مركز ثقل العالم الإسلامي السني كمقدمة لإخضاع منطقة الخليج والعالم العربي لأجندات إقليمية شوفينية وتوسعية مشبوهة.

خلاصة القول فإن صانع القرار السعودي قد نجح، بامتياز، في وضع يده على موضع الداء ومكمن البلاء، من خلال الاعتكاف على تنقية منظومة الأحاديث النبوية الشريفة والتي لا نعتبرها، فقط، انتصاراً لروح رسالته صلى الله عليه وسلم الذي قال «من حدّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبِينَ» (رواه مسلم)، وقوله (ص) «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (رواه البخاري)، ولكننا نعتبرها، بدون مبالغة ولا مداهنة، «فتحاً إسلامياً جديداً».