نحن على وشك بلوغ معرض الكتاب بالرياض. هذا المعرض العريق الذي بدأ قوياً في جامعة الملك سعود ثم توقف ثم عاد قوياً مرة أخرى. في كل سنة أزوره أشعر بالتطور عن السنة السابقة. صار مؤشراً على حركة التقدم في البلاد بالنسبة لي. عندما تلقي نظرة على تطور هذا المعرض من سنة إلى أخرى ستكتشف أن المملكة مضت مسافة كبيرة في جدلية أركان الكتاب الثلاثة: الوعي والثقافة والحرية. توسع الفسح. قلت الكتب التي تمنع من العرض بل إن المعرض افترق عن المكتبات الداخلية بأفضلية فسح الكتب. اكتسب المعرض حرية تخصه. في تطور نوعي سوف يمتد إلى المكتبات. إلى أن يأتي اليوم الذي تختفي فيه الرقابة الرسمية على الكتب وتبدأ رقابة المثقفين والنقاد والقضاء.

قل الإقبال على كتب الصحوة. لم نعد نشاهد الكتب التعبوية التي سادت في زمن مضى. اختفت من ممرات المعرض الزمرات الصغيرة الذين يظنون أن عليهم واجب هداية المثقفين والمفكرين والفنانين. زاد عدد المؤلفين السعوديين. عندما تفتش في معرفة من المعارف ستجد أن كاتباً سعودياً طرقها بقلمه. يعود الفضل في هذا إلى معرض الكتاب. شجع على الإبداع. جعل الإبداع قيمة اجتماعية وشهرة. كما أن الحفلات والنجاح فيها تعطي الفنان دفعة قوية نحو تطوير أدواته. يلتقي بالمعجبين به ويسمع منهم شخصياً رأيهم عندما يهتفون له ويغنون معه. معرض الكتاب أسهم بمثل هذا مع المؤلفين. فرصة يلتقي المؤلف بقرائه ونقاده والمعجبين بأعماله وبالإعلام أيضاً.

حفلات التوقيع لا تقدر بثمن. ترفع مبيعات الكتاب ومعنويات المؤلف. يرى المؤلف نفسه نجماً من نجوم المجتمع الأمر الذي يحمله مسؤولية أكبر في مؤلفاته المقبلة ويشجع جيلاً جديداً على الانخراط في صناعة الوعي. ليس في كلامي مجازفة إذا قلت إن معرض الكتاب بالرياض قدم للثقافة في المملكة أكثر مما قدمته الجامعات المحلية على مستوى نشر الوعي في المجتمع. حتى على المستوى الاجتماعي ساهم المعرض في كسر الحاجز المفتعل بين الجنسين. يلتقي الكاتب بزميلته الكاتبة بعيداً عن تلك الحواجز الصخرية التي فرضت على النوادي الأدبية والمنتديات والمحاضرات.

وصلت المعارض في المملكة إلى نقطة اللاعودة. ترسخت وأصبحت جزءاً من روزنامة الناس. أهل الرياض وأهل جدة يسجلون موعد معرض الكتاب في جدول أيامهم. أصبحنا ننتظر مفاجآت المستقبل السارة.

كم أتمنى أن نرى مهندس السعودية الجديدة الأمير محمد بن سلمان يفتتح معرض الكتاب هذا العام أو العام المقبل في الرياض أو جدة نيابة عن خادم الحرمين. رؤية 2030 تتجسد بين الكتب. إعلان رسمي أن المملكة العربية السعودية انتقلت إلى مجدها الجديد.