زرت العراق الشقيق أربع مرات كلها صحفية بدءاً من 1976 وكنت طالباً في الجامعة وبعد التخرج، وانتهاءً بدورة الخليج الخامسة 1979، وحضرت كثيراً من التظاهرات والمناسبات الرياضية إقليمياً ودولياً لكنني وهذه حقيقة لم ألحظ مثل هذه التظاهرة التي حدثت في البصرة الأسبوع الماضي أثناء زيارتي لها ضمن وفد إعلامي كبير لحضور مباراة المنتخبين العراقي والسعودي دعماً للأشقاء في رفع الحظر ملاعبهم دولياً.

سأتجاوز الحديث عن المباراة لما هو أهم فظروفها معروفة للمتابعين وهدفها واضح ومحدد فقد تم تكوين المنتخب على عجل ووصل الفندق قبل المباراة بخمس ساعات وتناول الغداء ثم اتجه للملعب وغادر بعد المباراة مباشرة.

أعود للمهم وسأتحدث هنا عن نقطتين:

الأولى: لماذا هذه المباراة؟.. ولماذا المنتخب السعودي؟، المعروف أن "الفيفا" يفرض حظراً على اللعب في الملاعب العراقية منذ 2003 لدواع أمنية وفي مايو العام الماضي 2017 رفع الحظر جزئياً عن ملاعب أربيل وكربلاء والبصرة لتستضيف المباريات الودية ويسعى العراقيون منذ مدة لرفع الحظر الكلي لكن "الفيفا"، في كل مرة يرفض ويجري تقييماً للوضع كل ثلاثة أشهر وسيجتمع يوم 16 مارس لمناقشة الوضع وتقييمه.

سألت وزير الرياضة العراقي: لماذا هذه المبارة؟.. ولماذا المنتخب السعودي بالذات؟

فأجاب: هذه المباراة لها أهميتها لتقييم الوضع في الملاعب العراقية كتجربة نهائية قبل اجتماع "الفيفا" يوم 16 مارس وقد لعبنا مباريات ودية عدة مع نجوم العالم ومع منتخبات عربية وآسيوية لكن المنتخب السعودي يختلف.

السعودية لها ثقلها السياسي والاقتصادي والرياضي على المستوى الإقليمي والدولي وتأهلت لـ"مونديال روسيا" لذلك فاللعب معها يلفت الأنظار ويعطي بعداً آخر للمباراة.

هذه المباراة - والحديث للوزير - تنقلها أكثرمن 40 قناة تلفزيونية محلية وخارجية على الهواء مباشرة دليل أهميتها ونأمل أن تحقق الهدف المنشود.

الثانية: ماهو أبعد من المباراة؟.. الوفد الإعلامي السعودي وصل قبل المباراة بيوم، كان الإهتمام والحفاوة كبيرين سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، في الاستقبال كان محافظ البصرة ووزير الرياضة ورئيس الاتحاد العراقي لكرة القدم وعدد من المسؤولين وتوجهنا للملعب مباشرة حيث تدريب المنتخب العراقي وصافحنا أفراده فرداً فرداً.

فندق البصرة الدولي كان خلية نحل بوجود عدد من المسؤولين العراقيين والإعلاميين والقنوات الرسمية وغير الرسمية وفريق هاشتاق "الدارــ دارك" لنقل الانطباعات وإجراء المقابلات مع الإعلاميين السعوديين.

قال لي أحد المسؤولين في الفندق: إنها المرة الأول ذا التجمع وهذا الحدث، الشوارع ازدانت بأعلام المملكة والعراق ولوحات الترحيب والوقوف مع المملكة في "المونديال".

يوم المباراة كان موضوعاً آخر وحدثاً لا ينسى.

الملعب يتسع لـ 70 ألفاً ولدواع أمنية ومن شروط "الفيفا" حضر أكثر من 60 ألفاً ومثلهم كانوا خارجه.

استغرق الطريق منا أكثر من ساعة على الرغم من قرب المسافة نتيجة أرتال من البشر في طريقهم للملعب سيراً على الأقدام لمسافة تجاوزت 11 كلم، حسبناها بالسيارة، يحملون لافتات ترحيبية وأعلاماً سعودية.

في الملعب دار الوفد الإعلامي على المضمار لتحية الجمهور العراقي وكانت المشاعر ذاتها والمظاهر كذلك وإذاعة الملعب تصدح بالأغاني الوطنية للدولتين الشقيقتين.

في الملعب أثناء وبعد المباراة كان هناك حفل استقبال بوجود رئيس الاتحاد الآسيوي وممثل "الفيفا" وكبار المسؤولين في الرياضة العراقية وبطبيعة الحال السفير السعودي ورئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم والوفد المرافق،

وقبيل المغادرة كان هناك حفل عشاء في المطار، هذا عدا العشاء الخاص بالوفد الإعلامي ليلة المباراة بحضور وزير الرياضة العراقي.

أفخر دائماً بسعوديتي..

وأعتز بانتمائي لهذا الوطن..

وجاء هذا الحدث ليؤكد أن هذا الفخر وهذا الاعتزاز لم يأت من فراغ، أعرف أنني أطلت وما كنت أود ذلك لكن الكلمات كانت تتداعى وسأقف مجبراً فالمساحة لاتسمح لكنني سأختم بنقطتين مهمتين:

الأولى: أكدت هذه الرحلة مكانة المملكة العربية السعودية في نفوس الأشقاء العراقيين بمحتلف مستوياتهم وطوائفهم ومحبتهم لها على المستوى الرسمي والشعبي وإدراكهم لأعوام سُرقت منهم فقد كانت توصية الإعلاميين والرياضيين العراقيين لنا بالوقوف معهم ودعمهم لرفع الحظر.

الثانية: الشكر والتقدير لرئيس الهيئة العامة للرياضة المستشار تركي آل الشيخ ولوكيله للعلاقات العامة والإعلام رجا الله السلمي على منحنا هذه الفرصة التي لا تتكرر، وآل الشيخ يقود حراكاً رياضياً كبيراً تخطى النطاق المحلي وهذه الخطوة تحسب له من ناحيتين:

أولاهما: إعادة الهيبة والمكانة للرياضة السعودية على الصعيدين العربي والعالمي واتضح ذلك جلياً من خلال العديد من التحركات والاتصالات على المستوى العربي والقاري والدولي.

والثانية: أن تظل المملكة ممثلة في هيئة الرياضة كما كانت سنداً ودعماً لكل ما من شأنه توحيد الصف العربي وتقديم الرياضة العربية للواجهة كدول محبة للسلام تملك الكفاءة والقدرة على الاندماج في المجتمع الدولي، والتفاعل مع برامجه ونشاطاته.

والله من وراء القصد

عبدالله الضويحي