بادئ ذي بدء ما من فيلسوف أو حكيم علا كعبه ونال القدح المعلاّ كرجل إصلاح وحكمة إلا أن هذا الفيلسوف أو ذاك استقى فلسفته من وحي السماء المنزل على الرسل الذين أتوا ليهدوا البشرية. وإن الفلاسفة والحكماء في كل منشط من مناشط الحياة المختلفة الذين قدموا للبشرية نظريات أصابت كبد الحقيقة هو لأنهم كما قلت آنفاً قد نهلوا من وحي السماء. ما أود قوله في هذه المقدمة التي ولا شك من ورائها مندوحة أن وحي السماء هو المنقذ الوحيد لمشكلات البشرية المنظور منها وغير المنظور، وقد توج الله وحيه برسالة الإسلام الذي أنهى الله به وحي السماء إلى الأرض. فالدين الإسلامي هو تاج الرسالات السماوية وهو مصدق على من قبله من الأديان ومهيمناً هيمنة درجة لا هيمنة نوع على من سبقه. إن الدين الإسلامي هو بمثابة خلاصة تجربة البشرية على مر العصور. فالدين الإسلامي قد بين للبشرية بتعاليمه ومبادئه ما يصلحها وما يفسدها. إن الدين الإسلامي قدم وصفة علاج بعدما شخص أمراض البشرية وعللها، فأتى بالعلاج الناجع عبر كتابه المنزل "القرآن الكريم" الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه هو تنزيل من حكيم حميد قال تعالى: ( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) والنصوص تتضافر في هذا الصدد ولا يمكن حشرها هنا فيضيق الزمان ويتعذر المكان. وحسبنا بالنص السابق دليل على ما أنا بصدده. إن كتاب الله لم يأتِ بالقَيم فقط بل أتى بالأقوم وهذا ما أشار إليه النص السابق. إن البشرية لن تدخل التاريخ الإنساني من أوسع أبوابه إلا إذا اقتفت تعاليم هذا الكتاب نصاً وروحاً. إن الحضارة التي يأتي بها كتاب الله هي حضارة وثابة محمي جنابها من الزلل فهي حضارة ليست مجردة من القيم. فكل عطاء مادي أو معنوي بهذا الكتاب قد سوره بالقيم. إن كتاب الله فيه الوعد الصادق لمن اقتفى أثره قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) ويُردف الله مع هذا النص نصاً آخر فيقول جل جلاله: ( لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ* *أَفَلَا تَعْقِلُونَ) إذاً فكتاب الله فيه المجد الخالد وفيه العز والتمكين لمن سلك سبيله. إني هنا لا أريد أن أطنب في مقال قد تبينت معالمه، ولكن الشيء الذي لا بد أن أذكره أنه إذا أرادت البشرية يوماً أن يكون لها قصب السبق في جميع شؤونها فما عليها سوى امتطاء صهوة هذه التعاليم. وإذا كنا قد علمنا أن وحي السماء فيه النجاة في الدنيا فإن فيه النجاة في الدار الآخرة ففيه الحسنيان معاً قال تعالى: (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) أيتها السيدات والسادة إنه إذا لم تقبل البشرية هذا الوحي تدين به لله فإن الظروف يوماً ستضطرها يوماً إلى اتباع هذا الوحي كحل لمشكلاتها. إن ما أتيت به سابقاً ليس عبارة عن حروف مرصوفة وكلام إنشائي بل هي الحقيقة بعينها وهذا ما أعرفه على وجه اليقين.