اتقنت هوليود كل شيء للدرجة التي أفسدت فيها كل شيء؛ شوهت كل ما هو حقيقي وطبيعي بتصدير صور نمطية منافية للواقع وغير حقيقية، ولو استعرضنا مثلاً الصورة النمطية لرجل الأمن أو اللص في هوليود لوجدناها بأناقة روبرت دي نيرو، جوني ديب، ليوناردو دي كابريو.. بينما في الواقع هم بشر مثلنا تبارك الله أحسن الخالقين، لكن هوليود تصر على إظهارهم بالوسامة التي أفسدت علينا تصور حقيقة اللص أو حقيقة السجن ذاته.

التأثير بلغ حد خلق واقع ليس له وجود وإقناع الناس به مع تجاهل الحقيقة؛ لدرجة قد يتمنى أحد المراهقين أن يكون قاطع طريق على أن يكون شرطياً نزيهاً.. أو أن يتمنى أن يدرس في إحدى الجامعات الأميركية الوهمية وغير المعترف بها على أن يدرس في جامعة محلية عريقة؛ فقط ليعيش الحياة الشبابية الصاخبة التي تصورها هوليود عن الجامعات الأميركية.

وسائل التواصل الاجتماعي تفعل ذات الشيء لكن على مستوى أخطر في توجيه الجماهير وإقناعها بوجود قادة رأي ورأي عام مؤيد أو معارض.. لدرجة أن يقال إن غالبية المواطنين تؤيد كذا وكذا بينما الواقع أنهم فقط غالبية المغردين في أحسن الأحوال.

ولو جربت الانقطاع عن «تويتر» مثلاً فستعرف المعنى الحقيقي للسلام والابتعاد عن التوتر الذي تعرض نفسك له بمتابعة بعض الهاشتاقات وكبار المعرفات.. ففي عالم الـ»سوشل ميديا» من السهل جرك إلى مستنقع كنت تعتقد أنك آخر من يخوض فيه؛ حيث النقاشات العبثية في كل مكان، والجدل غير المنتهي في قضايا غير ذات تماس شخصي بالغالبية.. وأخرى مهمة لكن تفاصيلها غائبة، فالغالبية تغرد وتهشتق بلا أي اطلاع إلا بضعة ردود وصورة أو مقطع فيديو مجتزأ، والجميع يتصور أن هذه هي الصورة الحقيقية لكل شيء.

وقد حدثت قبل أيام قصة طريفة حيث انتشر مقطع فيديو لأحد الخبراء يتحدث فيه عن رسوم صخرية لكائنات ومركبات وأطباق فضائية زعم أنها رسوم قديمة جداً، وهشتق المتابعون لهذا الخبير كل المشتغلين في التراث والثقافة والحياة الفطرية والفكرية والسياحية..؛ حتى اتضح لاحقاً أن الرسوم ليست إلا رسوماً حديثة رسمتها بعثة شركة أميركية لإنتاج الأفلام الوثائقية في العام 2008م!!.

ربما تراجع الخبير عن رأيه أو حتى اعتذر، لكن 99 % من المتابعين لم يقرؤوا التوضيح.. وما زالوا يعتقدون أنهم قالوا رأيهم وانتقدوا تقصير تلك الجهات.. وافترق الجميع مزهواً بهاشتاقه معتقداً أن دوره انتهى.

هذا هو الواقع الافتراضي الذي نعيشه، الذي من الخطأ الاعتقاد أنه كل شيء، أو أنه أكبر من حجمه الطبيعي.