يردد البعض أن اليابان تقدمت وأصبحت من الدول الكبرى لأنها حافظت على دينها وعاداتها. يساق هذا الكلام لإثبات أن الدين لا يعيق الشعوب عن التقدم. من يظن أن هذه العبارة حجة لإثبات أن دين الإسلام لا يعيق التقدم يكون ارتكب حماقة كبرى في حق دينه.

الشعب الياباني صنيعة الانفتاح والرغبة الجادة في التقدم. أخذ الغرب مثالاً يحتذى وجعل التغريب هدفاً. اتكأ على البعثات التعليمية وترجمات العلوم والآداب والفنون الغربية. وأخيراً تبنى الأساليب الغربية في معظم مناحي الحياة. تخلى عن كل موروث يعيق تقدمه وقدرته على منافسة القوى الغربية التي كانت تهدد استقلاله. فتبنى كل ما يمكن أن يجعله جزءاً من الحضارة الحديثة لا متطفلاً عليها. المأكل والمشرب والموسيقى والأدب والصناعة والنظم الاجتماعية والقضائية والسياسية.

العام 1853م فرضت الأساطيل البحرية الأميركية على الحكومة اليابانية توقيع معاهدة ألزمت اليابان الخروج من عزلتها التي فرضتها على نفسها قروناً. تم الاتفاق على أن تقوم اليابان بتزويد السفن الأجنبية بالوقود عند الحاجة ثم تبع ذلك اتفاقيات مماثلة مع عدد من الدول الغربية. اكتشف الشعب الياباني بعد ذلك الحقيقة إما أن نكون مثلهم أو أن نكون تبعاً لهم.

في كل كتاب تقرؤه عن اليابان لن تجد الدين مادة جدلية في حراكها نحو التقدم. لم يتصارع رجال الدين البوذيون مع السياسيين أو الليبراليين. الصراع الذي دار حول انفتاح اليابان جرى بين الطبقات الاجتماعية والسياسية المختلفة.

في هذا المقطع من ويكي بيديا ستقرأ بشكل سريع ما دار في اليابان في منتصف القرن التاسع عشر. لعلك ترى الحقيقة التي تكمن وراء أي تقدم أو تخلف.

(بعد وفاة الشوغون دخلت البلاد أزمة سياسة عاصفة. كانت أطراف عديدة تتنازع القرار السياسي، دخل كبار الزعماء ما عرف بالمحافظين في صراع مع جماعة كانت ترى وجوب الدفع بالبلاد إلى الأمام ومحاربة الركود القائم، كما دار صراع آخر بين جماعة من الذين كانوا يرون وجوب طرد الأجانب من البلاد (الوطنيين) وجماعة أخرى كانت تؤيد عملية انفتاح البلاد على الخارج. قادت كل هذه الأزمات نظام الـشوغونية وببطء نحو الهاوية، كما عجلت بميلاد عهد جديد مع بداية ما عرف بفترة مييجي سنة 1868)، الذي انتصر فيه دعاة الانفتاح وانتصرت فيه اليابان على التخلف وأصبحت دولة عظمى فخورة بحاضرها لا بماضيها فحسب.

عندما نعود إلى العبارة التي تقول إن اليابان تقدمت دون أن تتخلى عن دينها كأن صاحبها يقول إن الإسلام مساوٍ لأي دين. إذا التمسك بأي دين يكفي.

تجربة اليابان ليست فريدة، فالتاريخ يؤكد أن سبب التقدم هو حزم القيادة السياسية وإن لزم الأمر فـ(بالصدمة).