يتم تصنيف المجتمعات أحياناً من خلال تمرير مصطلحات ذات بعد نفسي إن جاز التعبير، على سبيل المثال عبارة الدول النامية وتطلق على بعض الدول التي لم تستفد من الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر ولاعتبارات ترتبط بالإنتاج والتصنيع، ولهذا تعد دولا آخذة في النمو أو دولاً متخلفة، وبالرغم من مرور عدة عقود على هذه التسمية القسرية بمعزل عن موافقة تلك الدول فضلا عن استشارتها إلا أنها خلفت اثاراً معنوية سيئة. الإذعان والرضوخ لهيمنة المصطلح ووفق معطيات تميل إلى تكريس الركون والاستكانة لاتمت للقيم الإنسانية بصلة، فحينما يعبر الاستئثار نفق الأنانية المظلم فإنه يفضي إلى فرض قيود معنوية مرهقة، المصطلحات منها ماهو إيجابي كالمصطلحات العلمية والطبية والتي تختزل كثيراً من التفسير كسباً للوقت وبلوغاً للفائدة، ومنها ما هو سلبي ويُستثمر في الاستغلال وإضعاف الأدوار ومن ثم تكريس الشعور بالضعف حتى لا تقوم لمن يُسبغ عليه هذا المصطلح قائمة، القياس في التصنيف يكمن في ماهية الأهداف التي من وراءها، فإما أن تكون إيجابية خلاقة تخدم الإنسان وتخدم توجهه وطموحه وقبل هذا وذاك تحترم إرادته ووجوده في الساحة سواء كان منتجاً أو مستهلكاً، أو أن تكون سيئة وترتبط بتغليب المصلحة على القيمة. ولاريب أن الأخلاق تظل تاجاً على رؤوس الأمم حينما تشع بنورها الوضاء حيث يستقيم القياس، التحضر سلوك واحترام للآخرين، التحضر صدق مع النفس، التحضر حماسة وإخلاص، التحضر إرادة قوية وعزيمة وإصرار، فإذا توافرت هذه العناصر أو تحقق الحد الأعلى منها، فإن الطريق حينئذ سيخلو من التحويلات الإجبارية الطويلة والتي لن تحرم هذه الدول من الوصول إلى مبتغاها بقدر ما تبطئ من وصولها، الجيل الجديد لم يعد يحفل بالتسميات أيا كان نوعها ومآربها وينبغي على المؤسسات الثقافية تعزيز هذا الشعور والتحرر من هذه القيود المعنوية، جيل الشباب يتعامل مع التقنية ومخرجاتها باقتدار ويدرك أنها مفتاح المستقبل، كل ما يحتاجه هو غرس الإخلاص، غرس الثقة بالنفس، تعزيز سبل التعليم وفق منطلقات معرفية وأخلاقية تنمي مداركه، كل مايحتاجه الدعم المعنوي وإتاحة الفرصة له لتحقيق ذاته وخدمة أمته، وقد يقول قائل إن شباب الوقت شباب ضائع ولا يهمه سوى الالتفات إلى مواقع المرح ومواقع الترف، شباب مائع، هذا بيت الداء وتمرير الكلام الذي ينطلق من هذا المفهوم القاصر، والنظرة التعميمية التشاؤمية المفرطة في التجريح والتوبيخ لا يقل خطراً عن هيمنة المصطلحات التي فصَّلها الغرب ليلبسها كل عاجز يسوقه التخلف إلى الوراء، في حين أن نزع الثقة وتمرير التشويش والارتباك الذهني لا يبرح أن يضع قدرات الشباب ترزح تحت مطرقة التصنيف وسندان وهم الأفضيلة.