مقاييس التواصل الانتقائي تعيد ترتيب العالم الافتراضي والحقيقي على وجه سواء بين الحضارات وتقرب البعيد، فقدمت لي دعوة من بلد مشاهير مصر، زقازيق الشرقية أو (بوباستيس)، أو تل البسطة، التي كانت حاضرة القطر المصري (945 ق.م)، ومن الروائية نجلاء محرم، التي تدير مركز نهر النيل الثقافي.

وعصفت أمواج الموضوعات برأسي، فماذا يمكن أن أقدم لذلك المجتمع الثقافي المصري، حتى وقع اختياري على ندوة بعنوان «أنا ومصر السبعينات»، قررت خلالها التحدث عن جزء عزيز من ذاتي أمضيت فيه سبع سنوات بدراسة الطب بالقطر المصري في أواخر السبعينات بتطلع وبحث عن مستقبل أجمل.

سنوات عايشت خلالها الكثير من المواقف والأحداث والطموح والإحباطات والنجاح والمزج بين ثقافة بدوية وخلاصة ثقافات فرعونية بيزنطية إغريقة طولونية إخشيدية فاطمية عثمانية ناصرية.

اعتصرت ذاكرتي لأحكي عما يستحق التوقف عنده وتسطيره بوجهة نظر ذاتية، ورسم بعض المقارنات بين ما كان يحدث على شواطئ مدينة جامعتي الإسكندرية حينها وبين ما كان يحدث في المدن السعودية الناهضة من تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، مروراً بأحداث مقتل الملك فيصل وكامب ديفيد، ومقتل السادات وحادثة الحرم ودخول زمن الطفرة، وبدء سنوات الصحوة بتغييراتها النفسية والاجتماعية، التي عشتها أنا ومجموعة من الزملاء العرب المغتربين بالقُطر المصري، وكيف تمكنا من خوض التجارب المتعاقبة والتأقلم مع ثقافة تشبعنا ببعضها ورفضنا بعضها الآخر.

زيارة مجيدة لمنطقة الزقازيق، فلأول مرة أجد نفسي أغوص في ذلك المجتمع الأصيل الثقافي الحبيب، بحضور مميز من كبار الشخصيات، وبأسئلة حاضرة مدهشة غنية في ذلك المركز الصغير حجماً، والكبير في نوعية العمق والتطلع الثقافي لجميع الحضور المهتمين من مبدعي الشرقية من كتاب وشعراء وفنانين تناوبوا على مد جسور الترحاب بالضيف السعودي، الذي حل بينهم بمحبة يصعب وصفها.

كنت ليلتها أحاول عدم الخوض في موضوعات السياسة والإخوان والرئيس عبدالفتاح السيسي، غير أن الأسئلة كانت تجرني معها للأعمق والأكثر تغلغلاً وإبحاراً.

وبعد محاضرتي ظهر أن الجميع قد حضروا للمشاركة الفاعلة، فسمعنا من عجب الشعر، ومن أهازيج الإنسان المصري، والعزف والطرب، ومن حوارات ثقافية تظهر روح خفة الدم المصرية، المتعالية على كل الظروف، والمتأملة ببلوغ النصرة القوية.

ليلة تعانقت فيها الثقافة السعودية مع شقيقتها المصرية بتأكيد على صدق المحبة والاحترام المتأصلة بين الشعبين وبين كينونة الوطنين الملتصقين من جهة القلب.

استمر اللقاء خمس ساعات مرت بسرعة الحب، وكان الكرم الشرقي فيها علامة، والوعد باللقاءات القادمة الحميمة بسمة تختتم احتفالاً لم أرد له أن ينتهي.

ما أجمل التواصل دون رتوش، ودون رسميات وبهرجات إعلامية، لتكتمل نمانم الصور المعاشة بين الشعوب الشقيقة الأصيلة، والتي تمعن في عزف ألحان الحب، وإخفاء تشوهات أي نشاز قد يحدث في نوتات السياسة.