في أحد صباحات الوطن البعيدة، تهادت منيرة إلى فناء المدرسة تحمل في حقيبتها أوراقاً وأحلاماً أكبر من حجمها بكثير، عندما وطأت قدمها أرض المدرسة أحست لأول مرة رغم صغر سنها أن شيئاً ما بحياتها سيتغير، كان (يعتلها) والدها المسن في الصباح الباكر بسيارته القديمة إلى المدرسة، لم تتخلف يوماً عن طابور الصباح وترديد النشيد الوطني مع زميلاتها، كانت ترسم أحلامها على رمال الوطن ثم على دفاترها المدرسية، تغرق في أحلامها المتزاحمة، وكيف أنها تقف أمام الطالبات بعد التخرج تكتب على السبورة وتشرح الدروس وهن يتسابقن على مناداتها يا أبله.. ياأبله..

كل هذه الأحلام تمثل وقوداً لمعركتها الطويلة، وتمضي الأيام والسنون وتحصل منيرة على الشهادة الثانوية بامتياز لكن رحيل والدها أفسد عليها متعة الفرح، رحل والدها في منتصف معركتها، بكت عليه بكاءً عميقاً وطويلاً لأنه جزء من حياتها وأحلامها، وحضن دافئ وجدار تحتمي به من هجير الحياة وويلات الزمان، ومع ذلك لم تتراجع، واصلت دراستها إكراماً لروح والدها وتحقيقاً لرغبته في مواصلة الطريق، وقفت على بوابة الجامعة طويلاً تستعيد تفاصيل بعيدة في حياتها وتعد العدة لمشوار دراسي حافل بالعرق والتعب والكفاح.

دخلت الجامعة وبدأت لهاثها اليومي، تدخل الأولى لقاعة المحاضرة وتخرج الأخيرة، لا تفوت شاردة وواردة من المحاضرة، هذا وبعد سنوات طويلة ومريرة من الكفاح المتواصل تتخرج منيرة من الجامعة بشهادة تؤهلها تحقيق حلمها في أن تكون (أبله)، عادت إلى البيت ووضعت الشهادة بين يدي والدتها التي فقدت بصرها بعد رحيل والدها، انطلقت إلى الوزارة لتحقيق حلمها، في اليوم الأول قالوا لها: إن الموظف المختص غير موجود وفي اليوم الثاني قالوا لها: إن عليها إرفاق الأوراق المطلوبة مع الشهادة، نفذت جميع ما طلب منها إلا أن أيام المراجعة هذه تحولت إلى سنين، بدأ يساورها اليأس، وحتى تقطع الشك باليقين ذهبت إلى الوزارة لمقابلة الموظف المختص كان بيروقراطياً يرتدي نظارات سوداء قاتمة تخفي نصف ملامحه، لم يهتم بطلبها ولا إلى السنين التي أمضتها قابعة في بيتها، قال لها: إن سبب عدم حصولها على الوظيفية يعود إلى جهلها في المعاملات والمراجعات وإن للمعاملة أصولاً وأركاناً - حسب زعمه - وإذا ما سقط ركن من هذه الأركان تسقط المعاملة، كان مهووساً بأرقام المعاملات وتواريخها وعدد مرفقاتها ولم يلتفت إلى السنين التي ضاعت من عمر منيرة لقد استهلكته أوراق المعاملات حتى استنزفت آدميته، شعرت منيرة بانكسار سحيق في روحها وحلمها، وفيما هو يتحدث ترقرقت من عينها دمعة كبيرة بحجم الوطن حاولت حبسها فلم تستطع فتركتها تنزلق أمانة في ذمة التاريخ.