إن المتأمل للمشهد الثقافي اليوم، يدرك أن هناك انسحاب كبير من قبل النقاد الذين لم نعد نراهم أو نسمعهم من خلال أطروحات ساطعة تحرك عجلة الثقافة والإبداع التي كانت تتصف به الساحة الثقافية قبل أكثر من عشر سنوات حينما كان الكاتب المبدع يكتب روايته أو قصيدته ويعتني بذلك الإبداع بشكل كبير قبل أن يعتمده للنشر، لأنه يعلم جيداً أن هناك عيناً ترصد وأخرى تحلل وتنقد، إلا أنه يبدو أن ما كان موجوداً في سجال النقاد تحول وتغير وغاب مع غياب الجيل القديم من النقاد الكبار، فلم نشهد اليوم من الجيل الوسط أو الشباب من يطرح أطروحات نقدية من الممكن أن تثري المشهد الثقافي، وعلى الرغم من أن هذا الطرح ليس بالجديد إلا أن هناك خوفاً من أن تتحول حلبة الإبداع إلى حلبة سائبة يدخلها كل من رغب أن يجرب حظه في الأدب والإبداع حتى أسهم ذلك بخلق أدب مهلهل، وضعيف، ومخجل ولا يمكن أن يعول عليه في بناء ذائقة الأجيال القادمة. وهذه مشكلة كبيرة على النقاد أن يعيدوا النظر فيها. والسؤال الذي لا بد أن يوجه إليهم: لماذا لا تبحثون عن الإبداع فتدعمونه ثم تثرون الساحة الثقافية بالنقاشات والنقد الذي يسهم في تنشيط الحراك الإبداعي؟

"ضعف الإسهامات"

أوضح الدكتور فالح العجمي أستاذ اللسانيات في قسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود، أن الناس يتساءلون كثيراً عن مبررات انحسار إسهامات النقاد والمفكرين وصناع الرأي في المجتمع، بكافة فئاتهم وبشتى أنواع المشاركات وقنواتها الفاعلة، في تشريح وتفكيك البنى الثقافية، وكذلك في نقد بعض السلوكيات، التي يصعب على أولئك الناس النابهين تقبلها أو الوقوف موقف المحايد منها. ومعهم الحق في تساؤلهم ذاك، لكن أغلب أولئك المتسائلين لا يولي قضية التغيرات، التي اعترت أمزجة الناس العاديين - وهم موضوع ذلك النقد والوصول إليهم أحد أهدافه - اهتماماً؛ حيث نجد أصابع الاتهام تتجه مباشرة إلى أصحاب الفكر، والنقاد والكتاب، دون التنبه إلى أن الالتفات إلى ما يسهمون به في هذا المجال قد أصبح ضئيلاً، وليست إسهاماتهم نفسها. صحيح أيضاً أن بعض قادة الفكر، والمهتمين بصناعة الرأي العام، قد تأثروا بعزوف الناس عن طرحهم الفكري الرصين، ونقدهم لبعض الظواهر، ومسببات ضعف الحراك النقدي في المجتمع؛ فأصبحوا لا يرغبون في طرح المزيد من نظرياتهم على الساحة العامة، لعدم ثقتهم في وجود من يتلقفها، أو يقرأ كتبهم ويحللها ويستفيد منها. وسايرهم في هذا الأمر دور النشر، وقنوات الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب؛ فهم أيضاً أصبحوا يبحثون عمن يلبي مطالب العامة، ويحقق لهم سعة الانتشار والحصول على المكاسب المادية من إعلانات وشهرة وغيرها.

وأضاف العجمي: إننا لو نظرنا إلى جمهور الحراك الثقافي، الذي كان موجوداً أيام "جان بول سارتر" و"سيمون دي بوفوار" في القارة الأوربية وربما في العالم خلال القرن الماضي، وكذلك إلى الجمهور الذي يتابع ما يطرحه هابرماس في قضايا المستجدات الفكرية، ربما إلى الوقت الحاضر لدى الأوربيين؛ لوجدنا فرقاً كبيراً عن الجمهور العريض، الذي أصبح يتابع ما يطرحه نجوم الرياضة والفن من تصريحات بائسة، أو تغريدات فيها من الغثاء الكثير، لكنها صادرة عن أحد الأيقونات، التي أصبح الشباب على وجه الخصوص يسرفون في متابعتهم، ويتلهفون على كل ما يصدر عنهم. بل إنه حتى في البيئة العربية، لا يمكننا مقارنة الوضع في ستينات وسبعينات القرن الماضي؛ عندما كان الشباب، وكل محبي الثقافة ينتظرون بفارغ الصبر ما يمكنهم الحصول عليه من كتب العقاد أو طه حسين، أو بعض مقولات رواد النقد الثقافي في المجتمع آنذاك، مع ما وصل إليه الحال الآن، من كون المفكرين لا يستطيعون إيصال رسائلهم ونقدهم إلى منافذ النشر، وإن وصلت كان الإقبال عليها ضعيفاً مقارنة بالمقولات الساذجة، التي يتفوه بها مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، وتطير بها العامة في الآفاق.

"المشروع النقدي"

وأكد الروائي عبدالحفيظ الشمري أن السؤال عن مكانة النقد اليوم تطرح من قبل المبدعين كتّاباً وباحثين ودارسين، إن المشروع النقدي كما قال عنه الشاعر نزار قباني: "الناقد هو مبدع فاشل" فلا اعتقد أنه من المجدي والمفيد أن نربط إبداعنا وعطاءنا بهذا المشروع النقدي الذي يقال عنه: إنه فاشل، فكل ما يطالعه القارئ من شذرات وكتابات ومحاولات يقال عنها نقد، والسؤال هنا يجب أن يوجه إلى الباحث والدارس في المجال الأكاديمي الذي يحمل العبء الأكبر في مشروعنا الإبداعي من خلال دراساته وبحوثه حول العمل الأدبي إن كان قصة أو رواية أو شعراً. ولكن إذا أردنا أن نقول: إن النقد قائم فهذا غير حقيقي، فما نراه اليوم ليس نقداً، علماً بأن التجربة الأدبية تمر بخفوت وكذلك بأطوار لا ندري إلى أين ستصل؟ وهي أطوار تعتمد على التجارب والمحاولات على الكتابة، وإن كانت هناك بعض الإبداعات التي تتجلى وتبعد إلا أننا نجد أن هناك ميلاً للكتابة الأدبية في مجال النشء وهي في قصة الأطفال والمسرح للأطفال، لذلك نتوقع أن يكون الطفل والأسرة موعودين بعمل أدبي يحرك المشهد الثقافي ويجعله أكثر نضجاً.

"بروج عاجية"

وقالت الكاتبة نداء أبوعلي: الهم الثقافي بشكلٍ عام تحوّل من النخبوية ليقترب من القارئ بطريقة مباشرة. لا سيما وأن وسائل التواصل الاجتماعي مكنت القارئ من التواصل المباشر مع الكتاب والروائيين، في نفس الوقت الذي لا يزال فيه عدد من النقّاد يعيشون في بروج عاجية بعيداً عن الواقع، إذ يختارون الأعمال الأدبية التي يتم نقدها ومعالجتها بانتقائية، ومن جهة أخرى يهفو عدد من النقّاد نحو اختيار الترجمات وتفضيل الأعمال الناطقة بلغات أخرى عن العربية والتي قد تكون ذات قيمة أدبية أكبر إلا إنه من الضروري الاعتناء بالحراك الثقافي المحلّي من أجل مراقبة ورصد التغيرات في المجتمع وفي مضمون الأعمال الأدبية بشكلٍ عام. هناك كذلك هوّة في الفئة العمرية، نجد أعداداً كبيرة من الروائيين في الآونة الأخيرة من فئة الشباب فيما ينتمي النقّاد لجيلٍ أسبق. وهذا لا يعني أن الأعمال الأدبية غير ناضجة، إذ يتفاوت ذلك ما بين المتقن والضعيف البناء. وأضافت: إنه في نهاية المطاف لا يزال هناك غياب بشكلٍ عام عن التأثير للساحة الثقافية، ولا تتطرق إلى مناقشة الأعمال الأدبية بشكلٍ كبير.

أبوعلي: الفارق العمري بين الناقد والمنقود أوجد الهوة
الشمري: الناقد مبدع «فاشل» لمشروع غير مجدٍ