طالب بعض خبراء المياه والبيئة بضرورة وضع خطط طوارئ استباقية قبل حدوث الكوارث التي تعودت مناطق المملكة خاصة في المدن المركزية على أن تقع تحت تأثيرها بعد موجة المطر في كل عام، إلاّ أن خطة الطوارئ تلك - إن وجدت - يجب أن تخرج من الطرق التقليدية غير المتمدنة، محملين الأمانات في المناطق مسؤولية غياب تلك الخطط الاستباقية قبل حدوث المطر في حين يعتبر غياب التخطيط السليم للمدن هو العامل المؤثر والحقيقي خلف حدوث المشكلة.

اجتماع تنسيقي

ورد م. سلطان الزايدي - رئيس بلدية محافظة الخبر - على تلك الاتهامات أن الخطط الاستباقية للطوارئ موجودة وأن الأمانة عالجت أكثر من (40) موقعاً تضرر العام الماضي حتى لا تتكرر المشكلة، إلاّ أن خطة الطوارئ تلك وفق الإمكانات المادية المتاحة، كاشفاً أنه تم الإعداد والتجهيز لموسم الأمطار مسبقاً من خلال اجتماع تنسيقي عقد مع الجهات الحكومية بالخبر حرصاً على أن تقوم كل إدارة بواجبها على الوجه الأكمل، كما أكملت بلدية محافظة الخبر استعداداتها لموسم الأمطار وذلك بأعداد خطة عمل متكاملة واتخاذ التدابير اللازمة، مشيراً إلى أن بلدية الخبر قامت بمعالجة أكثر من (40) موقعاً شهدت تجمعات لمياه الأمطار خلال السنة الماضية، إضافةً إلى صيانة كافة المناهيل، ومتابعة محطات تصريف الأمطار بالخبر، فيما تم تجنيد أكثر من (1000) عامل خلال فترة الأمطار، وتوزيع أكثر من (36) مضخة في عدة مواقع متفرقة من المدينة، و(23) صهريجاً لشفط مياه الأمطار.

غرفة طوارئ

وأوضح م. الزايدي أنه من ضمن الاستعدادات التي قامت بها البلدية تجهيز غرفة طوارئ مقرها إدارة الخدمات ببلدية الخبر تتسع لـ(12) شخصاً لمتابعة الحالة والبلاغات الواردة من وإلى كافة الجهات الحكومية على مدار الساعة، إضافةً إلى وجود فرق عمل تقوم بمتابعة كافة الملاحظات التي ترد إليها حول تجمعات مياه الأمطار، وكذلك انتشار فرق العمل أثناء وبعد هطول الأمطار - بإذن الله -، كما تهدف خطة طوارئ الأمطار إلى الإسهام في الحفاظ على بيئة صحية وسليمة من خلال أعمال الرش التي تقوم بها إدارة النظافة في مواقع تجمعات المياه، مبيناً أنه يتم عمل مشروعات تصريف الأمطار حسب توافر الاعتمادات المالية اللازمة لها، وبلدية الخبر حريصة على اكتمال البنية التحتية في جميع الأحياء السكنية بما في ذلك تصريف الأمطار، إلاّ أنه نظراً لاتساع مساحة الخبر ووجود أحياء جديدة في السنوات الأخيرة فإن البلدية تقوم بخدمتها من خلال المضخات والصهاريج التي يتم نشرها في المواقع غير المخدمة بشبكة تصريف الأمطار.

غياب التخطيط

وتحدث د. محمد حامد الغامدي - خبير المياه بجامعة الملك فيصل - قائلاً: إن غياب الخطط الاستباقية قبل موسم الأمطار يعود إلى سوء الإدارة والتخطيط للبيئة والمدن، فهناك نوعان من أنواع الضرر؛ الأول يقع على المدن، والثاني يقع على المناطق التي تقع خارج المدن، أمّا الضرر الذي يقع على المدن فيعود إلى أنه لا ينظر إلى المطر في حال تم اعتماد تخطيطها بسبب شح الحالة المطرية لدينا، فالمطر له موسم، لذلك يغيب عن المخططين أن يقوموا بوضع تصريف للمياه، ولكنهم يصطدمون بالواقع حينما ينزل المطر فتتشكل البحيرات وتغرق المدن، إلاّ أن ذلك ليس مبرراً، فعلى سبيل المثال مدن وأحياء شركة أرامكو نجد أنها تأخذ في اعتبارها أثناء التخطيط وقبل البناء ميول الشوارع لتجميع الأمطار في بحيرات، فتعمل خصيصاً لمياه الأمطار الموجودة في الشوارع، وهذا يعني أن جزءاً من غياب تلك الخطط الاستباقية قبل نزول المطر إنما هو غياب لمتطلبات المدن الحديثة والعصرية، لذلك تغرق المدن عند نزول أي كمية بسيطة من المطر، متأسفاً أن هناك بعض المسؤولين في الأمانات يرون بأنه لا داعي لإنشاء مصارف المياه للسيول نظراً لقلة المطر، مؤكداً على أن المشكلة مشكلة ثقافة ورؤية وقراءة للمستقبل.

جرف التربة

وذكر د. الغامدي أن هناك ضرراً آخر يقع على المناطق خارج حدود المدن وفي تلك المناطق نفقد أثمن شيء نملكه والمتمثل في فقد تربة الجبال، وهذه التربة مستودع المياه، وهي تحقق الأمن الغذائي والمائي للمملكة، فهي تنجرف من الجبال بفعل الأمطار حتى أصبحت الجبال اليوم متصحرة، فتلك المناطق تعاني جرف التربة النادرة المهمة بسبب هذه الأمطار، مضيفاً أنه كانت هناك طرق تقليدية تدار بها مياه الأمطار من حيث التجميع والتخزين والتصريف دون أن تؤثر على التربة، إلاّ أن الجهات المعنية غير مدركة لأبعاد قضية جرف التربة، فأصبح الغطاء النباتي يموت وتشكلت الكثير من المشاكل بسبب الأمطار، متأسفاً أن البلديات لا تواجه الحالة المطرية الشديدة التي تحدث إلاّ بالطرق التقليدية من جرف المياه بالمكانس، وليس لديهم إلاّ تلك الطرق البدائية؛ لأن الاستعداد والخطط الاستباقية للطوارئ غائبة فليس أمامهم سوى تلك الطرق التي تقدم صورة غير حضارية لمدينة نراها حضارية.

بحيرات تجميع

وأكد د. الغامدي على أن المشكلة الحقيقية أننا لا نبدأ نخطط، فعلى سبيل المثال الأحياء الجديدة التي لم تنشأ بعد لابد أن يكون أحد متطلبات الموافقة عليها هو تصريف مياه الأمطار، ثم معالجة الأحياء القديمة بطرق موجودة من خلال إيجاد بحيرات للتجميع ثم عمل ميولات معينة تصب في بحيرات تستخدم في ري أشجار المدن، مضيفاً أننا نفقد مياه الأمطار وفي كل سنة نعاني من ذات المشكلة، مُحملاً وزارة الشؤون البلدية والقروية مسؤولية ما يحدث من كوارث جراء المطر؛ بسبب غياب التخطيط المسبق، فلابد أن توضع معايير وشروط لأنهم من يعتمد المخططات، متسائلاً: أين أصحاب الفكر البيئي والتخطيطي للمدن؟.

تنفيذ الطرق

وقال د. هاني القحطاني - أستاذ العمارة والفنون الإسلامية في جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام -: إن مشكلة الضرر الواقع من الأمطار هي مشكلة يجب ألا تحدث من الأساس؛ لأننا في بلد صحراوي، ومن أقل بلدان العالم مطراً، مضيفاً أن الحلول يجب أن تكون جذرية من خلال البدء بتنفيذ الطرق، بحيث تكون مبنية على مواصفات محددة، فتلك المواصفات موجودة على الورق، ولكن المشكلة في التنفيذ وآلية استخلاص التعاملات الرسمية بين المقاولين والجهات الرسمية، مبيناً أن الخطوات التي تتخذها البلديات تحدث بعد حدوث الضرر وتتمثل الحلول بوجود صهاريج لشفط الماء وعمّال!، مؤكداً على أن المشكلة ستعود من جديد، مُشدداً على أننا بحاجة إلى حلول جذرية طويلة المدى فالمشكلة تتكرر في كل موسم.

آلية محددة

وأوضح د. القحطاني أن خط الدفاع الأول في إيجاد تلك الخطة الاستباقية يبدأ من الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة، بحيث تقوم بدورها بأن تشعر الناس والجهات المعنية بحالة المطر على الرغم من أنهم يقومون بدورهم في هذا، مضيفاً: "بالنسبة لتصريف المياه في المدن، فالمسؤولية تقع على جهاز الأمانة وضرورة حل التداخل بين الجهات المعنية ومسؤولية كل جهاز والطاقة الاستيعابية لديهم، ومدى قدرة جهاز الأمانة على تغطية المدينة، فهذه جملة من التدابير العامة التي يمكن أن تسهم بشيء من الحل"، مبيناً أن هناك مسؤولية أيضاً ملقاة على وزارة التعليم التي يجب أن تعيد النظر في تعاطيها مع تقارير هيئة الأرصاد وحماية البيئة ففي حال وجد التوقع بوجود حالة مطرية شديدة يجب أن تؤجل الدراسة، وهنا يأتي دور مركزية اتخاذ القرار، فيجب أن يكون من الوزارة بحيث تضع آلية محددة لمثل هذه الحالات، وهنا يأتي دور مديري المدارس بأن يكون لديهم الصلاحيات لاتخاذ القرار من أجل سلامة الطلاب، على ألا يتخذ حالة الطقس ذريعة لتحقيق رغبات الطلاب في الغياب، لذلك فإن الحكم هنا لصالح هيئة حماية الأرصاد وحماية البيئة، فمتى أكدت وجود أمطار شديدة يجب على وزارة التعليم الالتزام.

امتلاء الشوارع بالمياه يدل على غياب الخطط الاستباقية
سيارات تواجه صعوبة في السير بسبب مياه الأمطار
د. هاني القحطاني
م. سلطان الزايدي
د. محمد الغامدي