بمثل ما ابتهج المجتمع من ملحمة الرابع من نوفمبر المباغتة والمفاجئة والتي أسرت قلوب الشرفاء، بمثل ما ارتفع سقف التوقعات المجتمعية بكشف المزيد من الفساد والقبض على المفسدين وبمواجهة جميع أنواع الفساد (المالي، الإداري، الاجتماعي، الديني.... الخ) وذلك بلا شك يعتبر تحدياً كبيراً للأجهزة الأمنية المعنية بضبط الفساد وإجراءات التحقق والتحقيق والقبض على الفاسدين، ولكن يسهل ذلك التحدي ويدخل إطار الممكن إن تم إشراك المجتمع في تلك المعركة الوطنية حتى تترسخ ثقافتنا الأصيلة : «النزاهة هي الأصل والفساد هو الأمر الشاذ».

القانون وتفعيله وسرعة إجراءات الضبط والنشر والإعلان عن الفاسدين أمر مهم جداً ويحقق الردع العام وبلا شك الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية وهو تشكيل رأي عام مجتمعي مضاد لمظاهر وممارسات الفساد وفتح قنوات آمنة للإبلاغ - حتى عن الشبهات - فأغلب المواطنين الغيورين على وطنهم ليسوا بمتخصصين بقضايا الفساد، ولا يدركون الفساد إلا بالصدفة أو باستفحال مظاهره، وكذلك يصعب عليهم الخوض أكثر لجلب تفاصيل عميقة عن حقيقة ذلك الأمر المشبوه، وواجبهم ينتهي بالإبلاغ والجهات الأمنية تقوم بالتحقق، تلك الإجراءات والتحقق والتحقيق مع المشتبه بهم تخلق جواً آمناً في البيئة الاقتصادية والاجتماعية وتحقق السلم المدني، فإن تم التأكد وثبوت واقعة الفساد فقد أوقفنا الفساد والمفسدين، وإن تمت تبرئة المشتبه به أو بهم فقد عادوا لمزاولة أعمالهم ومعهم العديد من الرسائل للمجتمع بأن الدولة جادة في ملاحقة حتى المظاهر وليس الوقائع وذلك حتى لا يصبح سلوك الفساد مشاعاً ومُباحاً مجتمعياً.

وبالحديث عن الفساد المشاع أتذكر بعض الممارسات السلبية الشائعة من بعض الشركات والمؤسسات والتي تقوم بالتزوير في قوائمها المالية السنوية لتتهرب من دفع الزكاة المستحقة! وذلك ليس فقط تعطيل لأحد أركان الإسلام واستخفاف بالتشريع الإسلامي الذي تعتمد عليه هذه الدولة المباركة كدستور لها، ولكنه أيضاً تلاعب واستهتار بالأنظمة الحكومية وتزوير مستندات رسمية لتقديم معلومات كاذبة! وأكاد أجزم لو تفتح اللجنة العليا لمكافحة الفساد هذا الملف بالعودة فقط لعشر سنوات للوراء لمراجعة تلك القوائم المالية المزورة لأعيد لخزينة الدولة مليارات الريالات تدفعها الدولة عبر برامج مستحقي الزكاة، وستقلل بلا شك من معدلات الفقر والبطالة لهذه الفئة المعوزة، وبكل تأكيد محاكمة المزوّرين وسجنهم ليكونوا عبرة لمن تسوّل له نفسه مستقبلاً بالتحايل على أي نظام حكومي، وذلك ما تفعله الدول العشر الأولى في قوائم النزاهة العالمية بحماية أنظمتها الحكومية من التحايل وسجن المتلاعبين.