وصف أمين معلوف الرأي العام بالعملاق النائم، وسعيد تقي الدين بالبغل وعباس محمود العقاد بالفيلماني الغاشم أي عظيم ضخم الجثة، كناية عن جبروت الجمهور وطغيانه، الذي لا يمكن أن تتعرف عليه إلا كتلة مجتمعه ولا يمكنك تبين أفراده وعناصره المفردة حيث تذوب الفردانية في داخله.

تتمة تشبيه سعيد تقي الدين حيث يقول: «الرأي العام بغل كبير يصعب عليك جره إلى حظيرة الصواب وهذا شيء كان صعباً على الأنبياء حتى وإلا ما أغرق الله الأرض لنوح ولا خسف بقرى لوط الأرض، لهذا فإنه شيء عادي ألا تستطيع جر هذا البغل الكبير حيث الصواب ولكن إياك أن يجرك بغل فقط لأنه كبير»

اليوم الرأي العام متجلٍّ حاضر بكثافة أكثر من أي وقت مضى، فلم تعد قضية واحدة أو اثنتان تشتعل بالرأي العام بل أضحت كل القضايا كذلك، فانسكابه في مواقع التواصل الافتراضية أصبح واقعاً فاقع التأثير، وتجاهله أو محاولة المكابرة على الاعتراف بقوته هو محاولة لمحاربة طواحين الهواء.

فلم يعد الأمر كما كان محصوراً في مؤسسات صحافية وإعلامية توظف الكفاءة والموهبة والأقلام القادرة على صنع التأثير والفرق، سواء كان محرراً، مراسلاً، صحفياً أو مصوراً أم كاتباً، لقد أضحت العملية متاحة بشكل مفرط لمن رغب ومن شاء أن يقوم بتلك الأدوار، فليس من الصعب أن تكوّن خبراً أو رأياً بـ (140) حرفاً بأي أسلوب وطريقة تحب مدعماً بصورة وبلا شروط وبلا معايير معينة للجودة أو الأخلاقيات أو المصداقية والدقة، والجماهير بكافة أصنافها (فاضلة، عاطفية، طغيانية متجبرة، كسولة، طائشة...) جاهزة لتتلقف الخبر أم المعلومة تداولاً وجدالاً غير متمعنة ولا مبالية بالتمهل والتفكير العقلاني والتدبر.

يرى البعض الإيجابيات فيها والمتمثلة في القدرة والحرية على التعبير، وأنها أخيراً تفككت من نخبويتها وحكم المؤسسات الصحافية وكذلك أيضاً مسؤولون ومؤسسات حكومية كانت في السابق صروحاً شامخة منغلقة على ذاتها.

إلا أن المتغيرات التي آل إليها الفكر العام وسيطرة الشعبوية على الرأي خطرة! لسببين: حيث إنها تقرض في الوسائل الإعلامية الأخرى، كما أن من شأن الجماهير التقلب وسرعة التهيج وسهولة الانقياد، وعليه يجب الحذر من الانصياع أو الخضوع التام لتأثيرها مهما بلغ.

يقول (غوستاف لو بون) في كتابه سيكولوجية الجماهير: «كانت الحضارات قد بنيت ووجهت من قبل أرستقراطية مثقفة قليلة العدد، ولم تبن أبداً من قبل الجماهير، فهذه الأخيرة لا تستخدم قوتها إلا في الهدم والتدمير. كما أن هيمنتها تمثل دائماً مرحلة من مراحل الفوضى. فالحضارة -أي حضارة- تتطلب قواعد ثابتة ونظاماً محدداً، والمرور من مرحلة الفطرة إلى مرحلة العقل، والقدرة على استشراف المستقبل، ومستوى عالٍ من الثقافة. وكل هذه العوامل غير متوفرة لدى الجماهير المتروكة لذاتها».

وأنا أؤيد هذا الرأي، كما أن تفكك حصانة الطرح والتلقي أوجد ثقوباً ينفذ منها من له أجندات معادية أو غير سوية.

وإنني أدعو إلى الوعي الفردي كمنجاة من هذا الغرق، وكذلك أن تجد المؤسسات الإعلامية الرسمية مأمناً يحفظها من الذوبان والتلاشي فالمفازة بالتنافس الذي يوازي الوسائل الحديثة إبداعاً، وإبراز ما يميزها ويعلو بقيمتها.