يناقش مجلس الشورى بعد غدٍ الأربعاء إيجابيات تعديل المادة (13) من نظام الخدمة المدنية المتعلق بالسماح للموظف الحكومي العمل في الأنشطة التجارية، ورغم الجدل الكبير حول هذا الموضوع داخل لجنة الإدارة والموارد البشرية في المجلس، إلاّ أن مناقشته على نطاق أوسع بين أعضاء المجلس يعزز من فرص تمريره.

المبررات التي أوردها مقدم المقترح د. أحمد الزيلعي للسماح بعمل الموظف الحكومي في النشاط التجاري منطقية؛ أهمها تحسين الأوضاع المعيشية لموظفي الدولة، ومحاربة التستر، والتشجيع على العمل الحر، وتعزيز قيم الشفافية والمصداقية في البيئة الاستثمارية الجديدة للمملكة، بينما ترى لجنة الإدارة والموارد البشرية موقفاً معارضاً للمقترح وفق مبررات تُحترم ولكنها غير منطقية، منها: اختلال مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، وعدم التقليل من نسب التستر إلاّ في نطاق ضيق، إلى جانب التخوف من تراجع مستوى الإنتاجية لدى الموظف الحكومي، والتأثير على نزاهته، وتسرّب الكفاءات إلى العمل في القطاع الخاص.

مشروع قرار السماح للموظف الحكومي بالعمل في النشاط التجاري تجاوز مبررات القبول والرفض، وأصبح مطلباً شعبياً من جهة، وغاية لتحقيق رؤية 2030 من جهة أخرى؛ فالموظف الحكومي بحاجة إلى تعزيز دخله، وعدم الاعتماد على الراتب كمصدر وحيد، خصوصاً أن لديه ساعات عمل مسائية يمكن أن يقضيها في مشروعه التجاري الذي يحمل اسمه، ويشاركه أبناؤه وبناته لتحسين مستواهم المعيشي، والحد من البطالة داخل الأسرة، حينما يتواجد الجميع في مشروع تجاري يحمل اسم والدهم أو والدتهم، وتتحقق معه الطموحات والأماني بالنجاح، حيث يعد السوق السعودي اليوم واعداً في فرصه، وتوطين وظائفه، ومبادرات تمويله من هيئة المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

على الجانب الآخر؛ توجه الحكومة إلى تزهيد المجتمع في الوظيفة الحكومية والانطلاق إلى مشروع الخصخصة، بل إن هناك امتيازات لتشجيع الموظفين على التقاعد المبكر، وتوجهات نحو عقود التشغيل السنوية التي تعتمد على التقييم والكفاءة للبقاء في العمل، فضلاً أن رؤية المملكة 2030 ومبادرات التحول الوطني تدعو صراحة إلى الاستثمار، ولن يتحقق ذلك إلاّ بأنظمة تشجع عليه، وتحميه، ومنها السماح للموظف الحكومي بالعمل التجاري وفق شروط محددة، مثل أن يكون النشاط محدوداً لمرة واحدة، ويستثنى منه العسكريون، والقضاة وكتّاب العدل، والمحققون في النيابة العامة، والمراقبون والمفتشون.

الآن موظف القطاع الخاص مسموح له بالعمل التجاري، ومع ذلك لم يؤثر العمل في إنتاجيته، وانضباطه، ونزاهته، رغم أن ساعات عمله أطول، مثال آخر على الأطباء المسموح لهم بالعمل في القطاع الخاص خارج أوقات الدوام الرسمي، حيث لم يتسرّب منهم إلاّ القليل جداً، واحتفظوا بمواقعهم في العمل الحكومي وعيادات القطاع الخاص، ونجحوا، واستفادوا مادياً، بل وأضافوا إلى تجاربهم العلمية والمهنية كثيراً.

القرار ليس معقداً لدرجة أننا نحرم فئة كبيرة من الموظفين من مزاولة حقهم، وتحسين دخلهم، وليس مخيفاً أن نرفضه لمجرد احتياطات تجاوزناها فعلاً.. القرار بحاجة إلى انحياز للمواطن وفي هذا التوقيت تحديداً.