السياسة السعودية اليوم أصبحت قادرة على إحداث التغيير في إطارين مهمين؛ داخلي وخارجي، وذلك بفضل التغلب التدريجي على الكثير من المعوقات والتعقيدات التي كانت تتشكل حول نمطية المملكة وتقليديتها وقيمها المشحونة بطريقة غير مناسبة..

في أولى الزيارات الرسمية الخارجية لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد منذ توليه ولاية العهد تتجه أنظار العالم إلى هذه الزيارات التي تنطلق من مصر ثم بريطانيا ثم أخيراً الولايات المتحدة الأميركية، والسؤال هنا يقول: كيف كسب سمو ولي العهد تأييد الرأي العام الدولي بعد أن أدخل المملكة في مرحلة انتقالية استحقت التأييد من العالم؟

لا تفكر السياسة السعودية اليوم بذات الطريقة التي كانت سائدة قبل عقدين من الزمن فمتغيرات التاريخ تتطلب الخروج إلى أفضل التجهيزات لمعالجة الأبعاد المجتمعية الداخلية والأبعاد الخارجية، فعلى المستوى الداخلي يتلقى المجتمع السعودي اليوم وعبر رؤية (2030) التحولات المجتمعية الضرورية لبناء ونحت الثروة السعودية بتاريخها وبشقيها البشري والثروة الطبيعية، فالمطلوب في هذه المرحلة معالجة حقيقية لتعقيدات المسارات المتأزمة التي ولدتها التحولات التي شهدها العالم، وهذا باختصار ما يحدث في المملكة، فالتكهنات المشحونة بالقيم غير الدقيقة عن المملكة تنتهي اليوم مع تضامن طبيعي يقود المملكة إلى مركز متجدد لدورها التاريخي.

عندما يقوم ولي العهد بزيارة إلى مصر فإن ذلك تتويج لإيمان السياسة السعودية بالدور الكبير الذي تضطلع به مصر التي تمر بمرحلة التعافي السياسي بعد ثورتها التي جاءت خطأً بالإخوان المسلمين إلى السلطة، وكانت المملكة الأكثر قرباً من القاهرة في كل الأزمنة، والعلاقات السعودية - المصرية تتجاوز كل المراحل، فالحقيقة السياسية تؤكد أن التناغم السعودي - المصري مطلب مهم فالتجربة فيما يخص العلاقات مع مصر ترسخ أن هاتين الدولتين تشكلان مفاتيح مهمة لكل أبواب المنطقة التي يبدو للآخرين أنه لا يمكن تجاوزها.

في الزيارة الثانية يتوجه ولي العهد السعودي إلى بريطانيا، التي كتب وزير خارجيتها (بوريس جنسون) مقالاً في صحيفة (التايمز البريطانية) لغة رصينة تعلمنا أن التاريخ مرتكز دائم للرؤية الصحيحة في العلاقات الدولية، فقد نقل وزير الخارجية بالنص كيف التقى (ونستون تشرشل) بالملك عبدالعزيز عندما أشار في مقاله إلى أنه «قبل 73 عاماً تقريباً في مثل هذا اليوم، سافر ونستون تشرشل إلى واحة الفيوم في مصر لعقد اجتماع مع ملك المملكة العربية السعودية عبدالعزيز بن سعود، وكتب تشرشل عن هذا اللقاء قائلاً: «قدم لي ساقي الماء الخاص به كأساً من ماء البئر المقدسة بمكة، لقد كان ألذ ما تذوقت في حياتي»..

لم تكن هذه الكلمات هي الوحيدة ولكنها كانت مدخلاً معبراً عن تلك الأهمية التي تضعها بريطانيا للمملكة وولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يثير إعجاب العالم كله وليس بريطانيا في قدراتها السياسية في إحداث تلك التحولات عبر إصلاح حقيقي تضمن تجديداً اقتصادياً واجتماعياً منح المجتمع السعودي مسارات أكثر انفتاحاً في الكثير من المسارات المجتمعية المطلوبة لوضع المجتمع السعودي على المسار الصحيح عبر إخضاع المجتمع للمنطق عبر قبول أوسع لمصادر التغيير ومنهجيته السياسية، وزير الخارجية البريطاني أيضاً عبر بكل وضوح أن قيادة المملكة للرأي الدولي حول إيران وتدخلاتها في المنطقة يشكل عاملاً مشتركاً بين المملكة وبريطانيا فما أكثر من دلائل الموقف البريطاني من ربط الأمن القومي البريطاني بالشراكة مع المملكة.

في محطته الثالثة خلال شهر مارس (2018) يزور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أميركا ويلتقي الرئيس الأميركي، وكما يعرف العالم أجمع أن العلاقات السعودية - الأميركية ذات طابع استثنائي من حيث نمطها الاستراتيجي، فالكثير من الملفات المشتركة بين البلدين تصنع ذلك العمق التاريخي لهذه العلاقة، الرئيس الأميركي الذي يبدى ثقته بالمملكة في مسارها الاقتصادي والسياسي الجديد سوف يستمع إلى سمو ولي العهد بكل إنصات فما تقوم به المملكة في المنطقة يتقاطع والمصالح المشتركة بين البلدين.

السياسة السعودية اليوم أصبحت قادرة على إحداث التغيير في إطارين مهمين؛ داخلي وخارجي، وذلك بفضل التغلب التدريجي على الكثير من المعوقات والتعقيدات التي كانت تتشكل حول نمطية المملكة وتقليديتها وقيمها المشحونة بطريقة غير مناسبة، المملكة اليوم تغير هذه المفاهيم، فولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يكسب بلده المملكة ثقة دولية تعيد المجتمع الدولي إلى التاريخ وإلى الدور السعودي الذي يستشعر الخطر الدولي الذي تسببه دول مارقة في المنطقة مثل إيران، فها هو العالم كله يؤمن أن السياسة السعودية في هذا الجانب تثبت صحة توقعاتها، فقد رسمت الخطر الحقيقي الذي يتربص بدول العالم كله إذا ما سمح لإيران أن تنفذ طموحاتها في المنطقة، حيث سيكون ذلك خسارة حقيقية سوف تتوجع منها الدول الكبرى قبل غيرها.