ظهور الأمير محمد بن سلمان في وسائل الإعلام يعطينا دائماً جرعة تفاؤل وإيجابية، فبالإضافة إلى كونه متحدثاً بارعاً، ويتمتع بكاريزما عالية، ويعرف بالضبط عن ماذا يتحدث، فهو يكشف في لقاءاته عن توجهات الدولة في الفترة القادمة. الحوار الذي أجراه الصحافي ديفيد أغناتيوس ونشر في الواشنطن بوست مع ولي العهد، كان خطوة موفقة لتعريف العالم بالسعودية الجديدة، وسط الكثير من الضجيج والتشكيك والتخذيل حول ما تعيشه المملكة من تغيرات جذرية.

النقطة الأهم في الحوار، حسبما أرى، هي الحديث عن الفساد، تشبيه الأمير للفساد بالسرطان هو الوصف الأدق لهذا المرض الذي إذا طال بلداً ما فإنه يقتله بطريقة مؤلمة وبشعة. وابحث في خارطة العالم عن أي بلد ستجد أن مستوى تطوره أو تخلفه مرهون إلى حد كبير بمقدار تمدد الفساد فيه، خذ الفلبين مثلاً، كان الاقتصاد الفلبيني نهاية الستينات وبداية السبعينات مزدهراً، حيث كانت تصنف الفلبين ثاني أقوى اقتصاد في آسيا بعد اليابان، ثم أصيبت بالمرض، انتشر فيها الفساد وتمدد على مدى ثلاثة عقود حتى أصبحت من أضعف الاقتصادات في العالم. الفلبينيون من أكثر الشعوب تعلماً، وإتقانهم للعمل ليس بحاجة للإطراء، فكل مِنّا يفضل اختيار الفلبيني لإنجاز أعماله، والمجتمع الفلبيني هو الأجدر في العالم أن تُبعث منه كوريا أو يابان جديدة.. ولكن، ما أن يحاول النهوض حتى يسحبه الفساد للأسفل، وإذا ما أفلح رئيسه رودريغو دوتيرتي في أن يحارب الفساد بذات الضراوة التي حارب بها بارونات المخدرات، فلن ترى فلبينياً واحداً يعمل خارج بلده بعد عقد من الآن.

الصين الجديدة فطنت لهذا المرض منذ الثمانينات الميلادية، كانت عقيدتها أنه لا يمكن أن تبدأ مشروعاً إصلاحياً دون أن تطأ على رأس الفساد، ولذلك اعتقلت في حملاتها ما يزيد على 70 ألف مسؤول للتحقيق معهم بشأن رشى ومحسوبيات وغيرها من أوجه التحايل على القانون، كما أنها تعاقب بالإعدام من يثبت تورطه في قضية فساد ونتيجة لذلك، أصبح الاقتصاد الصيني اليوم ثاني أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة.

وأخيراً، المملكة تعيش نهضة تصحيحية كبرى، ولأننا ما زلنا في البدايات فإن جعل محاربة الفساد من أهم الأولويات التي يتحدث عنها ويفعلها ولي العهد، يعطي انطباعاً إيجابياً أننا نسير في الطريق الصحيح، المهم هو ألا نتراخى مع هذا المرض وأن نستهدفه بحربنا عبر غرس التوعية به والخوف من تداعياته حتى لدى الأطفال، لتصبح أجيال قادة المستقبل خالية منه تماماً.