يقع هذا الكتاب الصادر بطبعته الثانية، العام 2017 م عن (النادي الأدبي بالرياض) وبالتعاون مع المركز الثقافي العربي، للدكتور/ خالد بن عبدالعزيز الدخيل، في 413 صفحة من القطع المتوسط، وهو عبارة عن دراسة أدبية فنية نفسية لشعر الشاعر السعودي الراحل / حمد الحجي - رحمه الله - أحد كبار الشعراء السعوديين، والذين كانت لهم "بصمتهم الشعرية" الخاصة خلال نصف القرن الماضي من الزمن، وهي الفترة التي برز خلالها الحجي كأحد الشعراء السعوديين القلائل، الذين كانت لهم تجربتهم المميزة في كتابة القصيدة العربية بلغتها الحديثة، وكان شعره - فعلاً - علامة بارزة في مسيرة الشعر السعودي الحديث وتطوره، ودليلاً واضحاً على تلك "النقلة النوعية " التي شهدها الأدب السعودي، فيما بعد (جيل الرواد) وخاصة منذ أواخر السبيعينيات وأوائل الثمانينات الميلادية، وقد كان ( الحجي ) أحد روادها.

كما أن المؤلف قد ركز في كتابه هذا على أثر الألم النفسي في صقل الموهبة الإبداعية، كمحك لاختبارها وممحص لها، متطرقاً لما أصيب به الشاعر من مرض نفسي، لازمه سنوات طويلة من حياته، وكان له - بالتأكيد - تأثير واضح في صقل شاعريته وتجليات قريحته ورهافة حسه، تعبيراً عن معاناة شخصية نفسية عاشها، فترجمها شعراً، وكأن المحرض الأول على الإبداع وممارسته هو الألم والبؤس والشقاء والشعور بالعزلة وبرغبة الانطواء على النفس، بعيداً عن الناس.

ومن هنا خصص المؤلف/الباحث لهذا الجانب النفسي الفني فصلاً من الكتاب، معتبراً مرض الشاعر أحد العوامل المؤثرة الرئيسة في شعره ونبوغه وتحليقه في سماء الإبداع، محاولاً تفسير العلاقة القائمة بين المرض والإبداع في شخصية الحجي لدى تطرقه لسيرته الذاتية، منذ أن ولد حتى وفاته -رحمه الله-، علماً أنه لم يصب بهذا المرض النفسي العضال إلاّ في الشطر الأخير من حياته.

وهذا يعني أن الحجي ولد شاعراً، لكن شاعريته الفذة لم يبزغ نجمها وتنضج جوانبها وتتشكل ملامحها إلا أثر إصابته بالمرض وما نتج عنه من ردات فعل إيجابية ساهمت بشكل واضح بتخليد اسمه في وجدان الشعر وعالمه، حتى صار حالة شعرية استثنائية منفردة عن غيرها، وهذا بدوره أفضى بنا إلى مفهوم العلاقة بين الإصابة بالأمراض والعاهات من جهة وبين الإبداع وتجلياته من جهة أخرى، إذا ما اجتمعا في شخص واحد. كما أن هذا كله أيضاً في نهاية الأمر يعني أن الإصابة بالأمراض والشعور بالألم والبؤس والشقاء في هذه الحياة وانعكاساتها السلبية قد تكون محفزاً ودافعاً قوياً لممارسة الإبداع والتمكن من أدواته وفنياته، سواء بالنسبة للحجي أو غيره من أصحاب التجارب الشعرية الأخرى، فهي عوامل لها ارتباطها الوثيق بشخصية المبدع، على المستوى الشخصي، وهي تختلف من شخص إلى آخر، وإن كانت لها سلبياتها في حياة عامة الناس.

وحول هذا الموضوع يتحدث المؤلف فيما عنونه بـ ( بين الألم النفسي والإبداع ) قائلا: " تعددت نماذج لأدباء ومبدعين بلغت شهرتهم الشرق والغرب، وتداول الناس نتاجاتهم وأعجبوا بها، وتناولها النقاد مبينين أسرار الإبداع، وأسباب التألق، إلا إن بعض هؤلاء المبدعين أصيبوا في عقولهم فعانوا الكثير من الألم والعذاب، مما كان سبباً في التعجيل بآجالهم، وانقضاء أعمارهم.

ولهذا فقد أثارت هذه النماذج تساؤلاً عند علماء النفس، وبعض الباحثين المهتمين في تفسير الظاهرة الأدبية من أجل التوصل إلى فهم دقيق، وكشف عن العلاقة بين المرض النفسي وعملية الإبداع، وتأكيد أمر شغل النقاد وهو تفسير الظاهرة الإبداعية. وقد وجد بعض الباحثين أن المرض النفسي يسهم إسهاماً مباشراً في عملية الإبداع، وأن بينهما ارتباطاً وثيقاً، فكان من الأولى الإلماح إلى هذه القضية بعرض تلك الآراء ومناقشتها ومعرفة أثر المرض النفسي على الإبداع ". الكتاب: ص17.

ويستعرض المؤلف فيما تلا ذلك من فصول الكتاب نماذج مختارة من شعر الحجي، شارحاً ومحللاً ومعلقاً على ما كان له صلة منها بالموضوع الرئيس لمادته (العلاقة بين الألم والإبداع).

حمد حميد الرشيدي