قد تضحك أحياناً دون سبب كما يفعل المجانين، لكن لا يمكن اعتبارك مجنوناً قبل أن يتم الكشف عليك للتأكد من سلامة فهمك، وهل ما زلت فعلاً تفرق بين "الخمسة والطمسة" كما في المثل الشعبي، مع أنني لا أعرف معنى (الطمسة) ولكن يكفي أن أعرف المغزى منها.

هناك شعوب تعشق الضحك، ولا يمكن لك أن تحكم عليهم بالجنون لمجرد أنهم يضحكون، فالنكتة لديهم هي موروث جيني يدخل ضمن التكوين الفسيولوجي لخلقتهم -وما الشعب المصري الشقيق عنّا ببعيد- فتجدهم يسخّرون معظم أوقاتهم لخلق نكتة، فيبتكرون المواقف كي يضحكون، ثم تعقد اللقاءات الممنتجة بغرض تحليل تلك المواقف، لا لشيء سوى للضحك، وتنشأ في دواوين الناس كوميديا تقتات من تلك المواقف ما يجعلهم يقهقهون، وسلسلة لا تنتهي من الضحك المتوالد، حتى تتكون لديهم قبيلة كبيرة من الضحكات الموروثة من أمٍ واحدة شابة لا تتصور أن تنجب كل هؤلاء الأبناء، فإن كنت ممن يحب تلك الأم وأبنائها فهنيئاً لك، وإن لم تكن كذلك فأرجو ألا تحدّك الظروف ومرارة الواقع للبحث عنهم.

لكن ليست القضية أن تضحك بسبب نكتةٍ ما، فهذا أمر طبيعي يتفق مع الفطرة، حتى لو تجاوز الموضوع حدوده وصار لتلك الأم الشابة أحفاد لأبناء أولئك الأحفاد، بل المثير أن تتحول فسيولوجياً إلى شخصٍ ضحوك، يقول العرب "شر البلية ما يضحك" فهناك أشياء تجعلك تضحك في أول وهلة، ثم تتذكر فتسكت قليلاً لتحزن، ثم أخيراً تعود لتستمر في الضحك وكأنك أحد أبناء تلك الشعوب، لذا فإن رأيت النكتة تنتشر في مجتمع لا يجيد في أصله صناعة الضحك، فعليك أن تختبرهم أولاً بموضوع الطمسة التي ما زلت لا أعرف معناها، فإن كانوا مجانين فالمسألة ستهون، وإن لم يكونوا كذلك، فادع لهم، أو إن أردت اضحك معهم كما تفعل البقرة الضاحكة، التي بالرغم من جنون البقر الذي فتك بأصحابها وأزمتها الاقتصادية في تراجع مبيعاتها أمام شركات ناشئة، ولكنها ما زالت تضحك.