لا يمكن لأحد أن يتخيل حالة اليأس التي يتعرض لها كل من يسعى وراء فرصة عمل إلا من يعيش أيامه في طوابير الانتظار تحت أشعة الشمس، وأمام أبواب الدوائر الحكومية والشركات في سبيل اقتناص هذه الفرصة.

المسألة ليست نسبة أو رقماً نقرؤه على موقع هيئة الإحصاء أو في بيانات وزارة العمل، بل هي واقع معاش للآلاف الذين تتحطم آمالهم وأحلامهم مع كل حالة رفض وعند مكتب كل مدير أو مسؤول يدير ظهره لهذا الشاب الذي لا يريد سوى حقه الطبيعي في الكسب المشروع.

تحدثنا كثيراً عن ضرورة تأهيل مواطنينا لسوق العمل وعندما قمنا بذلك وجدناه مليئاً بالأيدي العابرة للحدود، التي لم يكن لها قبل دخولها إلى بلادنا أي خبرة أو ميزة سوى قبولها برواتب متدنية تعادل في بلدانها رواتب أطباء ومهندسين فيما تعجز عن دفع إجار غرفة عندنا.

المسألة هنا ليست عنصرية فلكل من ساهم ويساهم في بناء هذا الوطن - مقابل ما يدفع له طبعاً - كل الشكر والتقدير، لكن ليس من العدل ولا المنطق حرمان شبابنا من وظيفة مشغولة بوافد فيما بلدان العالم لا تقبل أبداً أن ينافس غريبٌ مواطنيها في سوق العمل فكيف نقبل نحن؟

هناك من يحاول حصر السعوديين في خانة وظائف بدأت تضيق أكثر فأكثر، خانة تقع بين الأعمال المهنية والإنشائية ذات ساعات العمل الأطول والمجهود البدني الأكبر وبالطبع الرواتب المتدنية، وبين المهن التي تحتاج لتعليم متخصص أصبحت حكراً على جنسيات بعينها دون أن تشفع مخرجات الجامعات ولا الابتعاث في الحصول عليها، لذا فإنه ليس من المستغرب أن يكون بعض العاطلين لدينا من حملة الشهادات العليا.

لا أتحدث هنا عن أولئك الذين لا يمانعون الانتظار طويلاً في سبيل الحصول على الفرصة الذهبية التي تتناسب مع طموحاتهم وشهاداتهم، بل عمن يحتاج لهذا العمل من أجل الانفاق على نفسه وأسرته بعد سنوات من الدراسة والتحصيل.. والصبر.

ماذا يفعل من يعجز عن العثور على وظيفة، أي وظيفة وهو في أشد الحاجة إليها؟ من يحتاج لهذا الراتب لكي يساعد أباه الكبير في السن، أو يشتري علاجاً لأمه المريضة، أو حليباً لابنته من تلك الزوجة التي دفع مهرها بالدين وبالقليل الذي يملكه بانتظار الكثير الذي يحلم به؟

باع شاي جمر، وخضار وفواكه على الرصيف، واشتغل حارس أمن «بألف وخمس مئة» ريال على بنوك فيها الملايين.. وبعد هذا كله يخرج علينا البعض ليقول: إن الشاب السعودي كسول ولا يريد العمل؟.