لايضاهي «فيلبي» في الغموض، وفي حب أرض العرب ،إلا من اعتدنا أن نسميه «لورنس العرب!»، وقد بدأ الأول حياته في العراق، ثم استقر في المملكة، وأسلم وتزوج إحدى بناتها، وألف عديداً من الكتب عن الجزيرة العربية، قبل أن ينهي حياته في بيروت، وكان محباً لهذه البلاد ولمؤسسها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود. وقد سبق لورنس (توماس إدوارد لورنس 1888-1935 ) فيلبي، في الوصول إلى الأراضي العربية، فقد وصل إلى سوريا في العشرينات من عمره، وقبل حصوله على الشهادة الجامعية، بهدف البحث عن الآثار الصليبية وتسجيلها، وهو ما دفعه إلى العيش في البادية، وتعلم اللغة العربية، في مضارب البادية، وقد حصل على عدة منح، للرصد والتنقيب عن الآثار، وقد قاده التغلغل في البيئة العربية، إلى أن يكون عميلاً للمخابرات البريطانية، التي كانت تهيمن على عديد من الدول العربية، منها مصر وبعض دول الخليج وشرق إفريقيا، عبر شركة الهند الشرقية!

وقد صادف وجوده في مصر، بداية التوتر، المتزامن مع شيخوخة الدولة العثمانية، وطموحات الحسين بن علي، للقيام بما أطلق عليه «الثورة العربية «، بهدف الخروج على الدولة العثمانية، وتأسيس كيان جديد، يكون سلطاناً أو ملكاً عليه، يضم منطقة الحجاز والشام والعراق وفلسطين، بدعم ومساندة بريطانيا وفرنسا، وذلك مع بوادر انطلاق الحرب العالمية الأولى، ودخول تركيا الحرب بجانب ألمانيا، وقد قدمت بريطانيا، عتاداً وأموالاً للشريف، حتى تفتت الدولة العثمانية، وخروج الحسين بن علي، إلى منفاه في قبرص بعد فشل مشروعه، وتقديم ترضية له من الحلفاء، تمثلت في تنصيب ابنه عبدالله ملكاً على الأردن، وابنه فيصل ملكاً على العراق. وقد ساهم «لورنس» بنفسه وبمساعدة الإنجليز وقوات الشريف، في تدمير الخط الحديدي الحجازي، بهدف عزل القوات التركية، ومنعها من طلب الإمدادات، من المدن الواقعة، تحت حكم الدولة العثمانية!

وكان «لورنس»، قد أصبح قريباً من «الحسين بن علي» وأبنائه، خلال سعي الأخير لإخراج العثمانيين من الحجاز، وبالذات خلال فترة حصاره الطويل للمدينة المنورة، ما أجبر حاكم المدينة العثماني آنذاك «فخري باشا» على ترحيل سكانها، لتوفير الغذاء والكساء للجنود، حتى توقف الخط الحديدي، نتيجة ما لحق به من تدمير، على يد قوات الشريف والإنجليز! ولم يعد لورنس إلى بلاده، إلا عند ما وضعت الحرب أوزارها، بزوال الدولة العثمانية، وتقسيم المنطقة! حيث انصرف «لورنس» حال وصوله إلى بلاده، لكتابة المقالات، وتأليف الكتب، وكان أبرزها «أعمدة الحكمة السبعة»، وأثناء تأليف هذا الكتاب، كان قد تعرف على الفيلسوف البريطاني «برناردو شو»، فعرض عليه مسودة الكتاب، لكن شو أهمل المسودة، وبعد إلحاح «لورنس»، قامت زوجة شو، بقراءة المسودة، ونقلت لزوجها إعجابها الشديد بالنص، فقام بقراءته فورًا، ورشحه للنشر، ومازال هذا الكتاب يحقق مبيعات جيدة، بل إنه حول إلى فيلم، باسم «لورنس العرب»، قام بدور رئيسي فيه الممثل المصري «عمر الشريف»، وكان بوابته للدخول إلى السينما العالمية من أوسع أبوابها، ولم يضاهِ دوره في لورنس العرب، إلا دوره في فيلم «دكتور زيفاكو»، الذي أخرج عن رائعة الروائي الروسي «بوريس باسترناك»، وقد حظيت هذه المذكرات بعناية فائقة من النقاد، ولعل من أبرز أؤلئك النقاد، مؤلف كتاب اللا منتمي، الناقد والروائي «كولن ولسون»، الذي عد «أعمدة الحكمة السبعة»، شهادة بالغة الصدق عن شخصية «لورنس»، المركبة والبالغة الغرابة والتعقيد، وقد ردت غرابة تكوينه الفكري والاجتماعي، إلى التربية القاسية، التي تلقاها على يد والدته!