نافذة نابليون بونابرت

كان نابليون بونابرت «1769 - 1821»، القائد الفرنسي الشهير، يتفقد معسكره الدائم استعداداً لخوض إحدى معاركه الكبرى، فشاهد - بفراسته وخبرته - جنديين على غير وئام مع بعضهما، فاستدعى قائد السرية التي يعمل بها هاذان الجنديان وسأله عن سبب ذلك الخلاف، فأخبره بأنهما منذ عدة شهور على هذه الحالة، وباءت كل محاولات الصلح بينهما بالفشل. أمر نابليون بونابرت قائد السرية أن يُحضر الجنديين المتخاصمين في صباح الغد لمقر قيادة المعسكر، ويطلب منهما أن يقوما بتنظيف نافذة غرفة القيادة الرئيسية التي يُشرف عليها نابليون بنفسه، شريطة أن يكون كل واحد منهما في قبالة الآخر، حيث ينظف أحدهما زجاج النافذة من داخل الغرفة والآخر من خارجها. وفي الصباح الباكر، نفذ الجنديان الأمر على مضض، فهما لا يُطيقان بعضهما، ولكن بعد مرور عدة دقائق، بدأا يسرقان النظر لبعضهما، ثم بدأت الابتسامة ترتسم على وجهيهما، وما أن انتهت المهمة وأصبحت النافذة في غاية النظافة، حتى تبادل الجنديان التحية، وانخرطا في حديث ممزوج ببعض العتب، وقفزت أمامهما الذكريات والصور الجميلة التي كانت تربطهما ببعض، فتصافحا بكل شوق، وتصالحا بكل محبة، وعادا للسرية وهما يتحدثان ويضحكان، وكأن لم يكن بينهما ثمة خلاف. وكان نابليون بونابرت وبعض قادته يُشاهدون كل ذلك عن بعد، وكانت الدهشة تملأ وجوههم، ما عدا نابليون الذي كان منشغلاً بتنظيف مسدسه. كان نابليون بونابرت، القائد العسكري الذي انتصر في أغلب معاركه، يُدرك جيداً أن قوة جيشه تعتمد على مدى ترابط وتآلف الجنود الذين سيخوضون المعارك، وأن الجيش الذي يضم بين صفوفه مثل هذين الجنديين المتخاصمين، لن يكون النصر حليفه، مهما كانت قوته وتعداده. كذلك، أراد نابليون بونابرت أن يعلّم قادة الجيش درساً مهماً، وهو أن «الحوار» بمختلف أشكاله ومستوياته، هو الحل لكل خلاف، مهما كان ذلك الخلاف. فالحوار الذي دار بين «عيون» هذين الجنديين، خفف كثيراً من حدة ذلك الخلاف الذي بنى جداراً عالياً منعهما من «رؤية» بعضهما، فسيطرت «الجفوة» على علاقتهما كل تلك الشهور. لم يكن نابليون بونابرت، مهتماً بتنظيف زجاج نافذته التي كان يُشاهد منها جنوده، ولكنه أراد منها أن تكون «نقطة التقاء» لهذين الجنديين المتخاصمين. دقائق قليلة، كانت كافية لإعادة اللمعان والبريق لنافذة نابليون بونابرت، ولكنها أيضاً، كانت كافية لتنظيف قلبي الجنديين المتخاصمين، ورسم الابتسامة من جديد على وجهيهما، فحينما تكون «النافذة» التي نطل منها على الآخر نظيفة من الغبار والشوائب، تكون العيون/العقول التي تُشاهد نظيفة من الظنون والأوهام. الحوار بكل ألوانه ومعانيه ومضامينه، هو «جسر العبور» الذي يصلنا بضفة السلام والوئام، وهو «المنهج السليم» الذي يُبعدنا عن التنازع والانقسام، وهو «الوعي الحقيقي» الذي يُعلمنا أن الحياة ليست ساحة حرب وقتال. الحوار بين الأديان والمذاهب والتيارات والمدارس وكل الفرقاء، هو اللغة الكونية التي نحتاج أن نتخاطب بها، وهو القيمة الحضارية التي يجب أن نحملها في فكرنا، وهو السلوك الإنساني الذي يجب أن يتجذر في وعينا، الحوار هو سفينة النجاة التي ستحمينا من الأمواج والصراعات والمؤامرات والنزاعات والخلافات، لنصل إلى ساحل الأمان والاستقرار والتطور والازدهار.






مواد ذات صله

Image

التخصص في مجال الأمن السيبراني

Image

حملة الجزء الثاني!

Image

ثقافة الجمال

Image

النفط لا يعني الاسترخاء والكسل

Image

منيرة موصلي.. فناً وإنسانية

Image

عالم اليوم والغد

Image

غضب إيجابي

Image

هل يفعلها سالم والمولد؟







التعليقات

1

 أحمد الخميس

 2018-03-04 13:33:15

أحسنت أستاذ فاضل وأفضت بهذ المقالة الجميلة والمؤثرة. نعم الحوار هو اللغة الإنسانية الراقية لمد جسور الإخاء والسلام بين بني البشر، وهو الرافعة الحضارية للإرتقاء بالمجتمعات ونهوضها ووصول سفينتها لشاطئ الأمان والإزدهار، والتخلص من رواسب وحمولات التاريخ الثقيلة التي تقف حاجزاً أمام التواصل الإنساني الحضاري. أحسنت وبُوركَ يراعك.

2

 مروة الحكمي

 2018-03-04 11:18:20

قصة جميلة والعبرة منها اجمل. نعم الحوار هو اُسلوب الحياة الذي نحتاج