المتابعة هي المهمة الأصعب، يكفي أنها العنصر الأهم في عملية التقييم، ويكفي أننا نتساءل عن المتابعة بعد الاجتماعات واتخاذ القرارات وبعد الندوات واعتماد التوصيات، وهي أول ما يرد إلى الذهن في حال تأخر الإنجاز أو ضعف الإنتاج أو عدم الجدية في تطبيق الأنظمة..

يحدث في حالات كثيرة اعتقاد الإنسان أن المعاملة التي يسعى فيها قد انتهت بمجرد شرح صاحب الصلاحية عليها بعبارة (لا مانع، لإكمال اللازم) يشعر صاحب المعاملة بالإنجاز ويغمره الفرح ويقرر الانتظار وهو غارق بالتفاؤل. وبعد طول انتظار يكتشف أن موافقة صاحب الصلاحية لا تعني إنهاء المعاملة لأن الإجراءات طويلة وهذه ليست المشكلة. المزعج في الموضوع أن قطار الإجراءات لا يتحرك من دون متابعة.

كان أحدهم يتابع معاملة مهمة جداً في أحد الأجهزة، وحصل على الموافقة فشعر بالارتياح. وبعد انتظار طويل غير منطقي اكتشف أن المعاملة ركبت قطار إجراءات التنفيذ لكن القطار لم يتحرك. اضطر صاحب المعاملة أن يبعث برسالة لرئيس الجهاز أبلغه فيها بالتأخير راجياً منه حل هذه الإشكالية. كانت الاستجابة سريعة وإيجابية حيث تحرك القطار وبدأ المراجع يستقبل الاتصالات والرسائل التي توضح له مسار معاملته والمسافة المتبقية ومحطة الوصول. أصبحت المتابعة عكسية، تأتي من الجهاز للمراجع!

المتابعة هي المهمة الأصعب. يكفي أنها العنصر الأهم في عملية التقييم. ويكفي أننا نتساءل عن المتابعة بعد الاجتماعات واتخاذ القرارات، وبعد الندوات واعتماد التوصيات. هي التي أول ما يرد إلى الذهن في حال تأخر الإنجاز، أو ضعف الإنتاج، أو عدم الجدية في تطبيق الأنظمة أو عدم الالتزام بمعايير الجودة. هي التي تظهر كسبب رئيس في كثير من الإشكالات مثل تأخير إنجاز مشروع أو تأخير في صيانته. هذا التأخير قد يتسبب في وقوع حوادث خطيرة.

تحضرني في هذا المجال تجربة إدارية صاحبها د. محمد الرشيد -رحمه الله- عندما كان وزيراً للتربية والتعليم. كانت المشروعات كثيرة والأفكار التطويرية لا تتوقف، والخطط الطموحة هي عنوان العمل في كل فروع وأنشطة الوزارة وشاملة لكافة عناصر العملية التعليمية. كان –رحمه الله- يفضل التواصل الإنساني فيتابع بنفسه عن طريق الاتصالات والاجتماعات لكن المهمة كانت متشعبة وصعبة بحيث يصعب حصرها في شخص الوزير. ونظراً لحرصه على تحويل الأفكار إلى أرض الواقع وسرعة تنفيذ المشروعات وخطط التطوير فقد استعان بمتخصص في هذا المجال هو الدكتور خالد بن حمد العنقري الذي صمم برنامجاً حاسوبياً للمتابعة يتضمن تفاصيل المهام وتاريخ إنجازها وتقريراً موجزاً عما وصلت إليه. لم يكن البرنامج يتضمن المشروعات الكبرى فقط بل حتى المقترحات والمبادرات التي يطرحها زملاء العمل حتى لو كانت تتعلق بأمور بسيطة. إذا قدمت مقترحاً للوزير وتمت الموافقة علية فسوف يسجل عليك في برنامج المتابعة وسوف تصلك المتابعة بشكل مستمر. كانت متابعة مزعجة ولكنها مفيدة، وكان من نتائجها ألا يتقدم أحد بفكرة أو خطة عمل إلا وهو واثق من القدرة على تنفيذها.

إن عبارة (لا مانع؛ لإكمال اللازم) عبارة جميلة لكنها من دون متابعة قد لا تحقق ما تمت الموافقة عليه أو يتحقق بعد فوات الأوان.

بعض المشروعات تستغرق وقتاً طويلاً محجوزة في ملف يحمل عنوان (تحت الدراسة) وقد تتعرض للنسيان حتى يقع حادث معين يعيد فتح ذلك الملف. وبعد المساءلة يقال إن السبب هو ضعف المتابعة.

الأسئلة في هذا المقال تبدأ بهذا السؤال: هل قوة المتابعة مؤشر إيجابي أم سلبي؟ وبمعنى آخر، هل الأجهزة المتطورة بحاجة إلى متابعة تنفيذ المهام بشكل يومي؟ لماذا داخل التنظيم نفسه يتعطل عمل إحدى الإدارات بسبب إدارة أخرى لا تتحرك من دون متابعة؟ عندما نقرأ مهام وأهداف إدارات المتابعة في بعض الأجهزة نجد أنها مهام شاملة تتضمن متابعة سير العمل، وقياس الأداء، وإعداد التقارير، وتقديم المقترحات والحلول.. إلخ. ورغم أهمية هذه المهام وشموليتها إلا أن إدارات المتابعة لا يتوفر لديها المختصون القادرون على تنفيذ تلك المهام، بل إن هذه الإدارات قد تكون أقل الإدارات حظاً من حيث الدعم بالكفاءات رغم أهمية دورها وارتباطها التنظيمي المباشر برئيس الجهاز كونها هي الوسيلة للتأكد من تحقيق الأهداف وقياس مستوى الأداء مقارنة بمعايير الأداء المحددة، ومعالجة الفجوة بين الخطط والإنجاز الفعلي.

المؤكد أنه لو كانت الإدارات المسؤولة عن المتابعة فعالة لما اضطر رئيس الجهاز للقيام بهذا الدور، وسوف يكون واثقاً من تحقيق الإنجاز عندما يكتب (لإكمال اللازم).

يظل التخطيط على أهميته البالغة ناقصاً من دون برنامج فعال للمتابعة لا يحتاج إلى متابعة.