من أكثر التحديات صعوبة في رسم سياسات الحكومة هي تلك القرارات التي يمتد مجالها ليشمل الوزارات ومستويات الحكم المحلي. إن المهمات التي تتجاوز مجال الوزارة الواحدة تمثل تحدياً لتحقيق الحكومة المتكاملة، الذي يتطلب تركيزاً استراتيجياً طويل المدى، مع القدرة على تطوير السياسات بمشاورة المجتمع مع الميل إلى المرونة التي تحقق الفائدة حسب الظروف والمتطلبات المحلية.

هكذا وصفت الحكومة الأسترالية أهمية الحكومة المتكاملة في أحد تقاريرها المنشورة العام 2012. تتضح معالم التجربة الأسترالية في معالجة مشكلات العمل المشترك من خلال إيجاد حلول لربط الدولة في المجالات التي تشترك أكثر من وزارة واحدة في معالجتها وترتبط بالحكم المحلي. أي أن من أهداف الحكومة المتكاملة إيصال الخدمات إلى المواطنين دون أن يقيد الهيكل التنظيمي للحكومة طريقة إيصال هذه الخدمات. فطالب الخدمة غير معني من حيث المبدأ بالجهات التي تقدم الخدمة، لكنه معني بتفاصيل الخدمة نفسها فقط. فلا يطلب من طالب الخدمة (المواطن، المقيم، زائر.. إلخ) مراجعة جهة معينة، مثلا وزارة العدل، قبل أن يستكمل معاملة له عند وزارة الزراعة. ولأجل تمكين الحكومة الأسترالية من تقديم خدمة من هذا النوع، تختفي فيه تفاصيل العمل الروتيني خلف الستار البيروقراطي، اتبعت الحكومة عدة منهجيات.

المنهجية الأولى تقليص عدد الجهات، حيث كان عدد الجهات 28 وقلص إلى 18. بهذا التقليص أصبحت كل الجهات ممثلة في مجلس وزراء الحكومة من خلال محافظ واسعة النطاق، تمكن الجهة من التخطيط الاستراتيجي بكفاءة أكبر. المنهجية الأخرى، هي إنشاء مركز الربط المركزي (Centerlink) الذي يوفر عدداً من خدمات الحكومة في مكان واحد. يمثل هذا المركز مكاناً واحداً لتقديم ومتابعة وإنهاء الخدمات (المصطلح المستخدم للتعبير عن هذه الخدمة يمكن ترجمته بمتجر المحطة الواحدة). المنهجية الأخرى، هي ربط الحكومة المتكاملة بالمناطق. حيث ينظر للخدمات من زاوية أفقية من خلال المستوى الفيدرالي، والولاية، والحكومة المحلية. المنهجية الأخرى، هي إنشاء فرق عمل مكونة من عدد من الجهات لتحقيق أهداف أو تقديم خدمات محددة. الهدف من إنشاء هذه الفرق هو تحقيق المرونة والتركيز في تنفيذ الخدمات عالية الأهمية ضمن نطاق الحكومة المتكاملة.

تمثل التجربة الأسترالية سلسلة من الخدمات التي تطورت المنهجيات تبعاً لها. وبالنظر إلى التسلسل التاريخي سنجد أن المنهجيات المذكورة أنشئت في غضون عشر سنوات، مع تحولات داخلية ضمن كل منهجية. كما أن تطور تقنية المعلومات كان عاملاً مساعداً في تنفيذ كثير من هذه المنهجيات بنجاح. ومن الجدير بالذكر أن التجربة الأسترالية ليست الوحيدة، بل إن عدداً من القرارات الهيكلية في المملكة تتجه نحو تطبيق الحكومة المتكاملة ضمن رؤية 2030.. وفي المقالة المقبلة، سأتطرق للمعايير التي تحدد نطاق الحكومة المتكاملة مع ذكر ما يمكن أن يناسب المملكة منها.