قد لا يكون The Florida Project فيلمكم المفضل لهذا العام، وغيابه عن ترشيحات الأوسكار برغم استحقاقه في عدة فئات هو أمر غير مستغرب على الأكاديمية، لكن لابد من الذكر أنه فيلم مميز ولا يتكرر كثيراً، على الأقل في وقتنا الحالي، ليس فقط لواقعية الفيلم الصادمة والتي تبقيك راغباً في ترك الفيلم وعدم متابعته، بل لأجل الصورة الساحرة المناقضة للقصة والسرد، التي لا تنقطع تقريباً على مدار عرض الفيلم.

قصة فيلم "ذا فلوريدا بروجيكت" تحكي عن صيف في فلوريدا مع أم فقيرة وابنتها ومواجهتهما لظروف الحياة، ولذلك كان هذا التناقض بين السرد والصورة مقصود، فتارةً تُسرد الأحداث من وجهة نظر الطفلة الرائعة موني -بروكلين برينس-، ونشاهد العالم غنياً بالألوان، مشبعاً بروح المغامرة والاسكتشاف، ولوهلة تنسى نفسك وتعتقد أنك خطوت خطوة داخل عالم خيالي، مع أنها مجرد مشاهد لأطفال يلعبون ويقضون وقتهم بدون ترابط واضح، لكن هذا لم يقم إلا بالتعزيز من روح المغامرة والخيال الخصب التي تصاحب الطفولة. وتارةً تسرد الأحداث عن طريق والدتها هايلي -بريا فايانيتي-، فيتحول العالم الذي كان وردياً قبل عدة لحظات إلى حطام كئيب، ويظهر الفقر في أقبح أوجهه، وتتحول مغامرات الأطفال عديمة العواقب ذات الخيال الخصب، إلى مشاكل بالغين تحمل عواقب وخيمة ولا مكان للخيال فيها. وبينما تلعب موني مع اصدقائها بأبسط الطرق الممكنة، تحاول هايلي جاهدة أن تجد المال اللازم لتسديد أجار غرفتهم، وفي أحيان عدة، يختلط العالمان لسبب أو لآخر، موني تستمر بإبقاء الأمر كمجرد لعبة أخرى، بينما ينضح جبين هايلي بالعرق لكي لا تخفق هذه المرة وتتعرض للطرد من غرفتها.

لم يحاول الكاتب والمخرج شون بيكر مع رفيقه في الكتابة كريس بيرغوتش صناعة نص فريد من نوعه، بل أبقيا الأمر بسيطاً قدر الإمكان، لأن سرد قصة مثل هذه القصة لا تتطلب حوارات طويلة ومركبة لروايتها، ولا تتطلب خط سير أحداث واضح حتى، أنت فقط تحتاج لرواية اليوميات كما تحصل، بدون أن ترسم هدفاً كبيراً للنهاية أو تغيير كبير في مجرى الأحداث، ترك المخرج الأطفال يتصرفون كما يحلو لهم في بعض المشاهد بدون أي قيود أو التزام، لدرجة إحساسك بأن ما تشاهده هو برنامج وثائقي وليس فيلماً.

لقد كان شون بيكر ذكياً كفاية ليعلم أن القصة ستروي نفسها، وأن ما يحتاج إليه هو إضفاء الصورة اللازمة، ولا أبالغ في القول: إن هذا هو أحد أجمل الأفلام من ناحية الصورة التي شاهدتها في السنوات الأخير، باعتماد كلي على البيئة المحيطة واختيار أكثر من رائع للألوان المصاحبة. للأسف إن فيلماً مستقلاً مثل هذا الفيلم لم يحصل على التقدير من الأكاديمية، فترشيح ويليام ديفو وإن كان مستحقاً فهو ليس الوحيد، بطلتا الفيلم بروكلين وبريا قدمتا أداء خاطفاً للأنظار، وعمل شون بيكر كمخرج واليكسس زايب كمصور سينمائي خلف الكاميرا كان يستحق ولو الترشيح لمجرد الترشيح.