تتسم العلاقات السعودية - المصرية بالمصيرية والاستمرارية، والتوافق العميق في مختلف القضايا؛ بما جعلها أنموذجاً للعلاقات العربية، وأساساً للأمن والاستقرار بالمنطقة، حيث تنبع هذه العلاقات من خلال المكانة الكبيرة والقدرات العسكرية التي تتمتع بها الدولتان على الأصعدة العربية والإسلامية والدولية.

وتأتي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع إلى القاهرة اليوم الأحد، في ظل واقع عربي وإسلامي جديد يقوم على التحالفات، الأمر الذي انتبه إليه قطبا العروبة مصر والمملكة، وتصديا معاً لمحاولات التدخل في شؤونهما الداخلية، ومهدا الطريق إلى جغرافيا جديدة سياسياً واقتصاديا وعسكرياً تكفل للأمة العربية هيبتها ومكانتها.

ويؤكد برلمانيون مصريون لـ"الرياض" على أن العلاقات المصرية السعودية مصيرية أبدية، تنبع من حجمهما وثقلهما الإقليمي، موضحين أن هذه العلاقات الثنائية تتميز بالاستمرارية والتطور، وقال البرلماني إيهاب الخولي، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، إن مصر والمملكة أنموذج العلاقات الاستراتيجية الراسخة في المنطقة، التي تقود مسيرة التأثير الفعال إقليمياً، وبالتالي التأثير على المحافل الدولية، من خلال التنسيق الدائم والمستمر. وأكد البرلماني الخولي أن تحرك مصر والمملكة معاً في اتجاه واحد يضبط المنظومة الإقليمية، ويجعلها تتصدى لكل قوى الشر والتطرف والإرهاب، موضحاً أن التنسيق الاقتصادي يحقق التنمية والرقي للشعبين المصري والسعودي على كافة المستويات، مضيفاً: "لا بديل لمصر عن المملكة، ولا بديل للمملكة عن مصر". وأشار إلى أن المصريين يحملون كل مشاعر الحب والتقدير تجاه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وينظرون إلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان باعتباره القائد الذي سيجعل المملكة في مصاف الدول المتقدمة، من حيث طرق الحداثة والتطور، والاعتماد على الذات، كشخصية مبدعة ومبهرة. وأضاف أن التوافق المصري السعودي قضى على الحلم الفارسي الخبيث وما على شاكلته بالمنطقة، وخصوصاً بعد التصدي للتدخل الإيراني على الصعد كافة، ولا يمكن قهر إيران نهائياً وأيقاف تدخلاتها إلا بنواة صلبة بين مصر والمملكة، وهما في الطريق إلى ذلك".

من ناحيته، قال البرلماني اللواء سعد الجمال، رئيس لجنة الشؤون العربية بمجلس النواب المصري، إن العلاقات المصرية السعودية راسخة ومتجذرة منذ عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وهذا أمر ضروري من أجل الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة بأكملها، كونهما تمثلان حصناً منيعاً ضد التدخلات الخارجية في المنطقة. وأشار البرلماني الجمال إلى أن المملكة أدت مواقف مشرفة تجاه مصر، أثناء أحداث 30 يونيو، ودعمت القاهرة في المحافل الدولية، لتحقيق طموحات الشعب المصري، بعد محاولة بائسة لاختطاف الدولة المصرية، موضحاً أن المملكة ساهمت في إخراج مصر من مؤامرة كادت أن تعصف بها، منوهاً بما قدمته المملكة من مساندة اقتصادية لمصر؛ وكان لها أثر كبير اقتصادياً، وكذلك في أذهان الشعب المصري. وأكد أن مصر والمملكة تدخلان في تحالف استراتيجي عسكري؛ للحفاظ على أمن الخليج والبحر الأحمر، مشيراً إلى أن الشقيقتين في خندق واحد ضد التنظيمات الإرهابية وقوى الظلام التي تهدد الأمن القومي العربي، مضيفاً أن التوافق المصري السعودي نجح في التصدي للأطماع الإيرانية ومشروعاتها التي تستهدف نشر التمذهب والفتن والتوظيف السياسي للدين في المنطقة. وأضاف رئيس لجنة الشؤون العربية أن الفترة الحالية تشهد تناغماً مصرياً سعودياً يستشرف المستقبل، من خلال المضي قدماً على طريق النهضة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً.

ويبرهن التاريخ على عمق العلاقات السعودية - المصرية والتي تتصف منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود –رحمه الله-، بالمصير الواحد، وهذا ما عبر عنه الملك المؤسس بمقولته الشهيرة "لا غنى للعرب عن مصر –  ولا غنى لمصر عن العرب"، حيث أدرك بفطنته الإستراتيجية أهمية تعزيز هذا التوجه؛ لحماية الأمن القومي العربي، وتحقيق المصالح العربية، كما زار مصر، والتقى الملك فاروق، ووقع اتفاقية الصداقة مع مصر، وساندها دولياً في المطالبة بجلاء القوات البريطانية عنها. ومن أكثر المواقف المجسدة لمصيرية العلاقات السعودية-المصرية حين تطوع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في الجيش المصري للتصدي للعدوان الثلاثي عليها، إضافة لقيادته حملات لمساعدة النازحين المصريين المتضررين من الحرب، ودعمت الرياض القاهرة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.

وظلت العلاقات السعودية المصرية أنموذجاً في العلاقات الدولية على مدار العقود الماضية، وتكللت مؤخراً بدعم سعودي لمصر في ثورتي 25 يناير و30 يونيو، مثل توفير الاحتياجات البترولية، ودعم الإرادة المصرية دولياً، ومساندة الدولة المصرية في حربها ضد الإرهاب، وهذا ما جسده الرئيس عبدالفتاح السيسي بمقولته "إن المملكة تحدت العالم من أجل مصر".

وفي السنوات القليلة الماضية شهدت زيارات شديدة الأهمية لقادة المملكة ومصر، بنيت على الشراكة في المواقف المختلفة، وجاءت في إطار التشاور المتواصل لإرساء قواعد الأمن والسلم بالمنطقة، بعد إقدام الجماعات الإرهابية على خلق بؤر صراع بالعراق وسورية واليمن وتهديد استقرار المنطقة. ومنذ تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم في المملكة، تم تبادل الزيارات المهمة مع مصر، حيث قام الملك سلمان بن عبدالعزيز في مطلع شهر أبريل العام 2016م بأول زيارة له إلى القاهرة بعد توليه الحكم، حيث استقبله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وبحث القائدان سبل تعزيز العلاقات الثنائية على الصعد كافة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتجارية، وشهدت الزيارة أيضاً الاتفاق على توريد المشتقات البترولية السعودية لمصر لمدة 5 سنوات، وتوقيع اتفاقيات استثمارية سعودية بمصر بقيمة 3 مليارات دولار، واتفاق على المشاركة في تنمية سيناء بقيمة 1.5 مليار دولار في مجالات البنى التحتية والصناعة والزراعة، والاتفاق على إنشاء جسر بري يربط بين المملكة ومصر.

وفي 2018م، زار وفد من الصندوق السعودي للتنمية مصر، لمناقشة توفير الدفعة الأولى من تمويل برنامج تنمية شبه جزيرة سيناء البالغ قيمتها 500 مليون دولار، من القيمة الأساسية البالغة 1.5 مليار دولار.

وفي 23 / 4 / 2017م، زار الرئيس عبدالفتاح السيسي المملكة، وكان في استقباله الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبحث الجانبان العلاقات الثنائية في العديد من المجالات، وسبل مكافحة الإرهاب، ودعم استقرار المنطقة، واتفقا على استثمار الإمكانات المتاحة بين البلدين. كما شارك الرئيس السيسي في 2017م في فعاليات القمة العربية الإسلامية الأميركية بالرياض. وتربط المملكة ومصر توءمة في مواقفهما السياسية المشتركة تجاه مختلف القضايا الإقليمية المعاصرة، مثل القضية الفلسطينية، وملفات سورية والعراق واليمن وليبيا، والتصدي لظاهرة الإرهاب.

وتربط الرياض والقاهرة علاقات اقتصادية مميزة وآخذة في النمو والتطور المستمر، وتعززت هذه العلاقات مؤخراً بعقد منتدى الأعمال المصري السعودي، والذي بحسب إحصاءاته فإن المملكة هي أكثر الدول العربية والثانية عالمياً استثماراً في مصر، بحجم استثمارات يقدر بـ 6.1 مليارات دولار، تمثل 27 بالمئة من حجم الاستثمارات العربية في مصر، أما مصر فتتواجد بالأسواق السعودية بـ 1043 مشروعاً، باستثمارات تقدر بـ 1.1 مليار دولار، إضافة إلى وجود 24 اتفاقية بين البلدين بقيمة 25 مليار دولار.

واتفق الجانبان خلال زيارة الملك سلمان إلى مصر في أبريل من 2016م، على إنشاء جسر بري يربط بين البلدين باسم "جسر الملك سلمان"؛ للمساهمة في تسهيل حركة نقل الأفراد والبضائع، وتعزيز التبادل التجاري بين قارات العالم بمستويات غير مسبوقة، وتدشين منطقة تجارية دولية تعد نقلة نوعية ذات فوائد اقتصادية عظمى، وتدعم صادرات البلدين إلى العالم، إضافة إلى توفير فرص العمل، ودور الجسر كمعبر أساسي للمسافرين من الحجاج والمعتمرين والسياح. وأكد الدكتور مجدي عبدالفتاح، الخبير الاقتصادي لـ"الرياض"، أن التفاهم السعودي المصري أدى لإنشاء محور اقتصادي جديد بين البلدين، يهدف إلى تحقيق التكامل الاقتصادي القائم على دمج القوة الاقتصادية التي تتمع بها المملكة مع الموادر البشرية والفرص الطبيعية التي تتمع بها مصر.

كما بلغ التعاون العسكري بين المملكة ومصر في عهد الملك سلمان والرئيس السيسي إلى مستوى غير مسبوق، وظهر ذلك في انضمام مصر إلى تحالف دعم الشرعية باليمن، وإجراء الجانبين مناورات عسكرية مشتركة أبرزها رعد الشمال على أرض المملكة، وتطوير التعاون العسكري والعمل على إنشاء القوة العربية المشتركة، إضافة إلى دراسة بعض الضباط السعوديين بصفة دورية العلوم العسكرية بكلية القادة والأركان المصرية. هذا ويحتل الجيشان المصري والسعودي الصدارة بين الجيوش العربية، ويجريان مناورات عسكرية سنوية. وأكد اللواء نبيل فؤاد، الخبير الأمني والاستراتيجي لـ"الرياض" أن العلاقات العسكرية بين مصر والمملكة تشهد نضوجاً كبيراً، يراعي مصالح الدولتين ويحفظ أمنهما واستقرارهما، من خلال عمليات التدريب العسكري المشترك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية، موضحاً أن كلتا الدولتين لهما تحدياتهما الإقليمية.