تدشن الزيارة المرتقبة لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع إلى القاهرة والتي تبدأ اليوم الأحد لمرحلة جديدة في مسيرة العلاقات الوثيقة بين المملكة ومصر في شتى المجالات، خاصة في الجوانب الاقتصادية والمشروعات الاستثمارية المشتركة، وذلك انطلاقاً من الرغبة المشتركة للبلدين في السعي نحو مواجهة مختلف التحديات التي تشهدها المنطقة. وتتسم العلاقات بين مصر والمملكة بأسس وروابط قوية نظراً للمكانة والقدرات الكبيرة التي يتمتع بها البلدان على الصعد العربية والإسلامية والإقليمية والدولية. وتؤكد الخبرة التاريخية أن لقاء مصر والمملكة على إستراتيجية واحدة ممثلة في التنسيق الشامل يمكن أن يحقق الكثير للأهداف والمصالح العربية العليا.

والعلاقات بين مصر والمملكة علاقات استراتيجية تتسم دائماً بالتميز، نظراً للمكانة والقدرات الكبيرة التي يتمتع بها البلدان على المستويات العربية والإسلامية والدولية. فعلى الصعيد العربي تؤكد صفحات التاريخ أن القاهرة والرياض هما قطبا العلاقات والتفاعلات في النظام الإقليمي العربي وعليهما يقع العبء الأكبر في تحقيق التضامن العربي والوصول إلى الأهداف الخيرة المنشودة التي تتطلع إليها الشعوب العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. وعلى الصعيد الإسلامي والدولي ، التشابه في التوجهات بين السياستين السعودية المصرية يؤدي إلى التقارب إزاء العديد من المشكلات والقضايا الدولية والقضايا العربية والإسلامية مثل الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، ومن هنا كان طبيعياً أن تتسم العلاقات السعودية - المصرية بالقوة والاستمرارية. وشهدت العلاقة بين مصر والمملكة تطورًا قويًا منذ توقيع معاهدة الصداقة بين البلدين العام 1926م فقد أيدت المملكة مطالب مصر الوطنية في جلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية ووقفت إلى جانبها في الجامعة العربية والأمم المتحدة وجميع المحافل الدولية، وفي 27 أكتوبر العام 1955 وقعت اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين. ووقفت المملكة بكل ثقلها إلى جانب مصر أثناء العدوان الثلاثي على مصر العام 1956م، وعقب العدوان الإسرائيلي على الدول العربية مصر وسورية والأردن العام 1967م توجه الملك فيصل بن عبدالعزيز بنداء إلى الزعماء العرب بضرورة الوقوف إلى جانب الدول الشقيقة المعتدى عليها وتخصيص مبالغ كبيرة لتمكينها من الصمود واستمرت المساندة السعودية لمصر حتى حرب أكتوبر 1973حيث ساهمت المملكة في الكثير من النفقات التي تحملتها مصر قبل الحرب، وقادت المملكة معركة البترول لخدمة حرب أكتوبر. وفي أعقاب ثورتي 25 يناير 2011م، و30 يونيو 2013م، قدمت المملكة دعمها السياسي والدبلوماسي والمالي لمواجهة المواقف المناوئة للثورة وحظرها أنشطة الجماعات الإرهابية، ومساندة الاقتصاد المصري بعد الثورة.

وتجددت التصريحات السعودية على أن أمن مصر من أمن المملكة، وبرزت بشكلٍ أكبر بعد ثورة 30 يونيو العام 2013م، حيث وقفت المملكة بقوة منددة بتذبذب المواقف الدولية من مصر. وكرست المملكة سياستها الخارجية حينها لحث الحكومات الغربية على الاعتراف بشرعية ثورة 30 يونيو وخارطة الطريق والاستحقاقات الثلاثة، والتي تمت بنجاح لتُخرج مصر من الفترة الانتقالية إلى الاستقرار السياسي.

واستمرت العلاقات السعودية المصرية في تكوين عمق استراتيجي مهم وحيوي مما جعل منهما محور القوة والنفوذ في العالم العربي والإسلامي ولعل المتابع اليوم لدورهما في إعادة التوازن للعالم العربي نتيجة توحش بعض التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم داعش يؤكد قوة نفوذهما وتكامل الأطوار بينهما.

وتمثل مصر والمملكة "رمانة الميزان" لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي لدول المنطقة في ضوء العلاقات المميزة التي تربط شعبي البلدين وهو الأمر الذي تدعمه القيادة السياسية في كل من مصر والمملكة. وتمثل المملكة ومصر جناحي الأمة العربية، وقد أثبتت الأحداث قوة ومتانة هذه العلاقات على المستويين الرسمي والشعبي، كما تعتبر العلاقات الثنائية بين القيادة السياسية لكلا البلدين قوة ضاربة يمكنها العمل لتحقيق مصالح الأمة العربية والدفاع عنها في المحافل الدولية، ولقد حرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- منذ توليه مقاليد الحكم على استمرار تكامل العلاقات السعودية – المصرية. وتؤكد الزيارات المتبادلة بين القيادات المصرية والسعودية على عمق العلاقات التاريخية بين البلدين الشقيقين، وشهد العشرون عاماً الماضية العديد من الزيارات المتبادلة على جميع المستويات بين البلدين، جنبًا إلى جنب لبحث القضايا والمستجدات على الساحتين العربية والدولية، وفي هذا الإطار تشهد العلاقة بين البلدين عدداً من اللقاءات لدعم القضايا الثنائية والإقليمية بصفة خاصة.

وتشهد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين تفاعلًا ونموًا مستمرًا تضاعف عدة مرات منذ الثمانينات من القرن الماضي، فقد احتلت الاستثمارات السعودية المرتبة الأولى بين الدول العربية المستثمرة في مصر، والمرتبة الثانية على مستوى الاستثمارات العالمية.

ويؤكد أحمد الوكيل رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية أن تحقيق التكامل الاقتصادي بين مصر والمملكة يعد رغبة شعبية قبل أن يكون إرادة سياسية وهو الأمر الذي تدعمه قيادة البلدين، حيث تسعى حكومة البلدين إلى تعزيز التعاون المشترك وتحسين مناخ الأعمال في الدولتين بما ينعكس إيجاباً على إقامة شراكات بين القطاع الخاص في مصر والمملكة.

وفي 30 يوليو 2015 جاء "إعلان القاهرة"، خلال زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث تضمن الاتفاق وضع حزمة من الآليات التنفيذية تشمل تطوير وتعزيز التعاون المشترك بين البلدين في المجالات كافة لتحقيق الأهداف المرجوة في ضوء المصلحة المشتركة، وشهد الرئيس السيسي وسمو ولي العهد مراسم التوقيع على محضر إنشاء مجلس تنسيق سعودي - مصري، يتولى الإشراف على تقديم المبادرات وإعداد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والبرامج التنفيذية بين البلدين في المجالات المشار إليها في "إعلان القاهرة". وعقب هذه الزيارة قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تمديد مشاركة العناصر اللازمة من القوات المسلحة المصرية في مهمة الدفاع عن الأمن القومي المصري والعربي في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر وباب المندب، وذلك لمدة ستة أشهر إضافية أو لحين انتهاء مهمتها القتالية.