قدمت المرأة السعودية نفسها لمجتمعها وللعالم الخارجي بشكل لافت ومميز، من خلال النجاحات التي استطاعت أن تحققها ليست كامرأة صانعة لمؤسسة الأسرة المتماسكة والمحبة في بيتها، إنما من خلال مختلف المجالات التي رأينا فيها المرأة كقيادية بارعة وباحثة مميزة وعاملة واثقة ومثقفة مبدعة وأم وفية، حتى كانت جديرة بثقة دولتها بها وبمساندتها لها في مختلف الأوقات والمناسبات، فلم تكن تلك المرأة بحاجة لأكثر من "فرصة" تمنح إليها حتى تضعها على الطريق الصحيح وهي ما فعلته الدولة وما نفذته المؤسسات الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص حينما فتحت الباب أمامها لتنطلق في تحقيق أهدافها الكبيرة، ولتترك بصمتها الخاصة بها في شتى المجالات في القطاع التعليمي والاقتصادي والمجتمعي ولتبدأ التخطيط لمستقبل أكثر اختلافاً عن سابقه.

واستشهدت د. هيفاء رضا جمل الليل - رئيس جامعة عفت بجدة - عبر حوار "الرياض"، بالكثير من النماذج النسائية السعودية التي منحت الدولة لهن الثقة والمساندة الكبيرة حتى يخضن تجربة القيادة في مجالات عدة، ولم يتوانين على أن يثبتن جدارتهن وتميزهن في مضمار العلم والعمل من خلال رؤية جديدة للمرأة في مجتمع تغيرت نظرته وأصبح واثقاً بها ومحترماً لتجربتها، ومؤمناً بقدراتها، متوقعةً أن يكون المستقبل القادم مفتوح الذراعين لها حتى تحقق طموحاتها وأهدافها، وفيما يلي نص الحوار.

أعلى المناصب

  • من خلال عملك كمديرة لجامعة عفت بجدة كانت لك مبادرات كبيرة في إعداد كوادر نسائية قيادية على أعلى مستوى من التميز الأكاديمي والمهني، فكيف تقرأين اليوم خطوات المرأة السعودية كقيادية في مجالات العمل المختلفة؟، ومن أين يجب أن ننطلق في مجال التدريب لمساندة مسيرتها الطويلة في طريق التميز؟.

  • حظيت المرأة السعودية في السنوات الأخيرة بدعم قوي من قيادتنا الرشيدة، ورأينا تطوراً ملحوظاً في تمكين السعوديات في كافة القطاعات، واليوم تشغل المرأة السعودية أعلى المناصب في دلالة واضحة على ما تتمتع به من قدرات مميزة وإمكانات كبيرة، وفي واقع الأمر إنني فخورة للغاية بإنجازات المرأة السعودية، فما تحقق اليوم هو هدف طال انتظاره، فالمرأة السعودية اليوم أصبحت نائب وزير، وأصبحت عضواً بمجلس الشورى، وأصبحت رئيساً لمجلس إدارة السوق المالية، والقائمة تتوالى، وفي هذا دلالة واضحة على التطور الكبير الذي حدث في مجتمعنا، ومنذ عهد الملكة عفت -رحمها الله- إلى جانب إسهامات صاحبة السمو الملكي الأميرة لولوة الفيصل، وصولاً إلى مختلف البرامج الدراسية والاجتماعية والمبادرات المختلفة التي تقدمها جامعة عفت، كانت قضية تمكين المرأة هو الهدف الرئيس الذي تعمل الجامعة من أجله، فالتدريب يجب أن يبدأ منذ المراحل الأولى لتعليم المرأة، وذلك من خلال تقديم برامج دراسية مصممة خصيصاً لتلبي احتياجات سوق العمل، فعلى سبيل المثال، نحن في الجامعة نفخر بطرحنا تخصصات لم تكن موجودة في السوق، وكانت جامعة عفت أول مؤسسة تعليمية تدرس الهندسة للبنات، وكذلك يعد قسم الإنتاج المرئي والرقمي من البرامج المهمة والمبتكرة التي أطلقتها الجامعة منذ العام 2013م، كما أننا أول مؤسسة تعليمية توفر عدة تخصصات للطالبات في المملكة منها: الريادة في الأعمال، الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسبات، وإدارة العمليات والمعلومات، إلى جانب طرح التخصصات المناسبة، ومن المؤكد أن علينا الاهتمام بجودة التدريب بحيث يكون في بيئة عمل حقيقية.

في التعليم

  • يبدو أنه من المتوقع أن تشهد المرأة خلال الأعوام الخمسة القادمة مزيداً من التغيير والفرص التي تتزامن مع توجه الدولة لمساندتها في شتى المجالات، إلاّ أنه من الملاحظ أيضاً أن للمرأة لدينا نصيب كبير في الحقيبة التعليمية حتى وكأن التعليم في المملكة يرتبط بالمرأة بشكل كبير، برأيك هل آن الأوان حتى تتقلد المرأة حقيبة وزارية في التعليم؟، وما هي الحقائب التي تجدين أنه من المتوقع أن تقودها المرأة بفعالية كبيرة وتبدع في تطويرها وتجديدها بأسلوب يتفاعل مع الأهداف العامة للمملكة؟.

  • إذا ألقينا نظرة على تاريخ المرأة في مجال العمل بالمملكة، سنجد أن النظرة التقليدية للمجتمع كانت تؤيد عمل المرأة في مجال التعليم، وذلك انطلاقاً من النظرة التي كانت سائدة في المجتمع، ولكن يجب أن نعي تماماً أن ذلك لا يعني عدم قدرتها على العمل في المجالات الأخرى، بل العكس تماماً، فنحن نجد أن السعوديات قد أثبتن قدراتهن في كافة المجالات، فمن أهم الأمثلة على النجاحات التي حققتها المرأة في مجال التعليم تقلد السيدة نورة الفايز منصب نائبة وزير التعليم لشؤون البنات، وليس هناك ما يمنع تقلد المرأة لأي حقيبة وزارية، طالما أثبتت كفاءتها وقدرتها على القيام بأعباء المنصب، خاصةً وأننا نرى سيدات في مختلف أنحاء العالم يشغلن أعلى المناصب وعلى كافة المستويات.

حلول متجددة

  • تقودين جامعة بحجم جامعة عفت والتي تعتبر من أوائل المؤسسات الأهلية للتعليم العالي بالمملكة، ومن خلال تلك التجربة كيف وجدت الخط الفاصل بين التعليم الأهلي والتعليم الحكومي فيما يتعلق بتعليم المرأة ومدى الاختلاف الذي يقدمه لها؟، وكيف تقيمين تجربة قيادة المرأة لجامعة من الجامعات في المملكة؟، هل يمكن أن نجزم بأننا جاهزون اليوم لتعميم التجربة في الجامعات الرسمية؟.

  • كان انضمامي لجامعة عفت علامة فارقة في حياتي، فأنا استفدت كثيراً من العمل جنباً إلى جنب مع صاحبة السمو الملكي الأميرة لولوة الفيصل - نائب رئيس مجلس الأمناء والمشرف العام على جامعة عفت - بخبراتها الكبيرة، والتي استمدتها بدورها من والدتها الملكة عفت -رحمها الله-، وفيما يتعلق بالاختلاف بين التعليم الأهلي والتعليم الحكومي في مجال تعليم المرأة، أعتقد أن المسارين يكملان بعضهما البعض ويعملان من أجل هدف أسمى هو نشر الرسالة التعليمية، وقد يكون هناك بعض أوجه النقص في أي من المسارين، ولكن جميع أوجه النقص يمكن من دون شكٍ معالجتها، وكذلك لكل مسار أوجه تميزه، فعلى سبيل المثال، نحن في جامعة عفت نسعى إلى تقديم حلول متجددة لمواجهة التحديات الاجتماعية المتغيرة، وأن نعمل على تطوير قائدات وعالمات ملهمات يسهمن في تحقيق رؤية الملكة عفت الثنيان -رحمها الله-، كما أنني لا أرى فرقاً في قيادة رجل أو سيدة لمؤسسة تعليمية عليا، فأنا أرى أن الأمر الفارق في هذا الاختيار هو الكفاءة، فطالما كان الشخص - رجل أو امرأة - يتمتع بالمؤهلات المطلوبة والقدرات التي تمكنه من قيادة المؤسسة التعليمية، فليس هناك ما يمنع.

نجاحات مذهلة

  • بدا واضحاً أن المرأة اليوم تخطو خطوات متسارعة نحو التنمية والاقتصاد بشكل لافت وملحوظ، وما يشهد على ذلك الأسماء النسائية التي برزت في مجال الأعمال والاقتصاد، ويبقى السؤال الأكثر أهمية والذي يتعلق بمدى جاهزية المؤسسات الرسمية والأهلية لمساندة مثل هذه التجارب في المجال الاقتصادي؟، وما القرار برأيك الذي تحتاجه المرأة اليوم حتى توجد كيانها الاقتصادي التنموي برؤية جديدة ومبتكرة؟.

  • هذا صحيح تماماً، فالمرأة السعودية حققت نجاحات مذهلة في القطاع الاقتصادي، وقد سعدنا في المدة الماضية بتعيين سارة السحيمي في منصب الرئيس التنفيذي لشركة الأهلي المالية، واختيارها في وقت سابق لتكون من بين (16) عضواً في اللجنة الاستشارية لهيئة السوق المالية التي عملت فيها لمدة عامين، وهناك كذلك رانيا نشار التي تعد من أبرز الكفاءات المصرفية وأول سعودية تحصل على شهادة اختصاصي معتمد في مكافحة غسل الأموال من جمعية اختصاصي مكافحة غسيل الأموال المعتمدين من الولايات المتحدة الأميركية، وتشغل عضوية مجلس الإدارة في بنك سامبا المحدود في باكستان، وشركة سامبا للأسواق العالمية المحدودة، وتم تعيين لطيفة السبهان مديراً مالياً للبنك العربي الوطني، وتعيين خلود الدخيل رئيساً للجنة الوطنية المتخصصة في الإحصاء، ذلك بالطبع إلى جانب أخريات شغلن مناصب عليا في العديد من المؤسسات والشركات الاقتصادية، وأعتقد أن المملكة الآن في وضع يمكنها من استيعاب المزيد من السيدات السعوديات، فالأمر لا يتعلق بجاهزية المؤسسات لمساندة هذه التجارب، بل يتعلق باحتياج هذه المؤسسات للكفاءات النسائية، إن دخول المرأة السعودية بقوة إلى القطاع الاقتصادي سيضخ دماءً جديدة وفكراً متجدداً، فالمرأة بشكل عام تتمتع بنظرة شاملة للأمور، ولديها قدرة على تحديد الهدف بدقة.

عدم توفر التخصص

  • كيف تقيمين مساهمة المرأة ومشاركتها في المجال السياسي في المملكة؟، وإلى أي مدى يمكن لها أن تنجح في العمل الدبلوماسي داخل وخارج وطنها؟.

  • على الرغم من دخول المرأة السعودية إلى مجلس الشورى السعودي، إلاّ أن مشاركتها في الحياة السياسية ما تزال دون الطموحات، وقد يكون ذلك لعدم توفر التخصص الدراسي الذي يؤهلها للمشاركة في النشاط السياسي، وكذلك عدم مشاركتها في الفعاليات السياسية داخل وخارج المملكة، الأمر الذي يعيق من نضج المرأة على المستوى السياسي، وعلى أي حال، وفي ظل التطورات التي تشهدها المملكة في جانب تمكين المرأة، أعتقد أن المستقبل مفتوح على مصراعيه لمشاركتها في الحياة السياسية -بإذن الله-.

صمام الأمان

  • ساهم أفراد المجتمع في نبذ ورفض الإرهاب بشتى أنواعه فيما ركزت المؤسسات الرسمية المعنية بتعميق مفهوم الوطنية والاعتدال بنفوس أبناء هذا الوطن وتوعيتهم بمخاطر الإرهاب، وبقيت المرأة جزءاً من هذا الدور وتلك المسؤولية، كيف تجدين موقف المرأة السعودية من الفكر الإرهابي والسعي لمحاربته ونبذه؟، وأين اتضحت تلك المواقف؟، وأين تجدين مكان المرأة الحقيقي فيما يتعلق بالتصدي للتحركات التي تستهدف أمن الوطن وسلامة الدين؟.

  • من المؤكد أن المرأة، شأنها شأن الرجل، معنية تماماً بمحاربة الفكر الإرهابي، بل هي في الواقع خط الدفاع الأول أمام هذه الآفة التي ألمت بنا، فالتربية السليمة وغرس القيم الفاضلة ومعاني الإسلام الوسطي القويم، هي ما سيمكننا من مواجهة الفكر الإرهابي المتطرف، برأيي المرأة ستكون هي صمام الأمان الأول لوطننا.