يخرج الإنسان إلى الدنيا ويبصر نورها لا يرى بعينيه إلا كل حسن قبل أن تلوث عقله فكرة القُبح، وتعميه عن حسن، وجمال هذا الكون وهذا المعنى التقطه إيليا أبو ماضي حين قال: والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئاً جميلاً وإذا أضاع الإنسان السبيل، وابتعد عن فطرته، ودخل في ظلمة الجهل؛ فليس أمامه إلا أن يُعيد نفسه من جديد، ويبحث عن الطريق الصحيح للعودة إلى فطرته، ومن أهم الطرق التي يسلكها الإنسان للعودة لحالته الأولى هو اتباع القدوة الحسنة التي تماسكت أمام كل سلوك ينحرف بها عن مقاصدها النبيلة.

والقدوة نفسها لها جانبان حسن، و‏سيئ والتمييز بين هذين الجانبين يَسِير، ولا يلتبس على كثير من الناس. والتحدي الحقيقي الذي يواجهه الفرد من داخل مجتمعه هو التداخل بين القدوة الحسنة، وسلوك القطيع؛ فثمة فرق بينهما يُشْكِل على من يتلمس القدوة الحسنة. وقد يسلك الفرد مسلك القطيع، ويلوذ بالجماعة تحت وطأة الخوف، وضعف القدرة على المواجهة، وانصياع الأضعف للأقوى، ومن أشهر مظاهر سلوك القطيع المشاهدة ما يحصل في عمليات البيع، والشراء في سوق الأسهم، وتجمعات الشغب الجماهيري. ولو أن هذا المسمى حديث، وأقرب لنظريات الاقتصاد إلى أنه كنظرية فكرية، وفلسفية؛ فهو يُشَكِل سلوكاً ظاهراً، وقديماً عند الكثير من المجتمعات، ويستفيد من هذا السلوك في المقام الأول العنصريون، والمُؤدلِجون للجماعات المُتشددة الذين يزجون بالقطيع لخدمة أهدافهم، وهم في مأمن عن الصراع.

وقد وقف في وجه هذا السلوك الخاوي من الفكر الأنبياء، والمصلحون لأن خطورته على المجتمعات سلبية، وهو من التبعية العمياء، واتباع الكثرة بدون تفكير.

والقلة عادة تسلك هذا السلوك باقتناع بعد أن تُعمل عقلها، وتتبع الحق؛ ولذلك نجا من تأسى بالقدوات الحسنة التي لاشك أن أعظمها رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-( لقدْ كانَ لَكُم فِي رسُول اللهِ أُسوةٌ حَسَنة) ومن يسير على خطى القدوة الحسنة يُسَيرهُ فكره، ويستمد من هذه القدوة ماينقصه بوعي تام بعكس سلوك القطيع الذي يخطو وهو مغمض العينين مُعطل الفكر تائه الخطى شخصيته ذائبة في شخصيات الآخرين.

وهذان المفهومان القدوة، وسلوك القطيع لا يُزيل الضبابية عن معناهما إلا تغذية العقل مبكراً بغذاء العلم المُستمد من مفاهيم، وقيم الأسرة السوية. وإذا قامت الأسرة بدورها على أكمل وجه أخرجت لنا جيلاً واعياً لا يُنقاد مع القطيع؛ بل يختار قدوته بحرية تامة. ولا يقل دور محاضن التعليم عن دور الأسرة؛ فهما خطان متوازيان لا يكتفي النشء بأحدهما عن الآخر. وهذه الثقافة تحتاج إلى داعم يتبنى نشر مفاهيم، وثقافات المجتمع لينشئ عقلاً حراً تقوده قناعاته، ولاشك أن الإعلام هو المناط الأول بتوعية المجتمع إلا أن كل فرد يُعَدُّ إعلاماً في محيطه وتقع عليه مسؤولية من حوله.