«التعليم للتفكير، الفن للشعور» - أندري تاركوفسكي

أتذكر كيف كانت مشاعري عندما كنت أتكوم مع كتابي وأنا طفلة، كنت أندمج بشكل آلي ولا أحس بما حولي، خاصة عندما تكون كل القصص مصورة فهي تبهرني وتدهشني، وكانت مصدر سعادة لي مثل الشكولاتة التي كنت أتحصل عليها يومياً من والدي -رحمة الله عليه-، كنت كلما وقعت عيني على قصة أو مجلة للأطفال أقرؤها مرة ومرتين واحتفظ بها في مكتبتي الصغيرة.. لا أنسى أبداً هذه المشاعر فهي تجتاحني كلما وقع بصري على كتاب جديد للأطفال.

ولكن ما ألاحظه الآن هو افتقار المكتبة العربية إلى الكتاب الموجه للأطفال، وهذا الشح قد يعود إلى أسباب كثيرة وليس هو محور حديثي، ولكن ما دعاني للكتابة هو قصة صغيرة حصلت عليها، حيث يروي لنا الشاعر والكاتب السويدي أولف ستارك قصة «الصبي والصبية والجدار» وهي قصة جميلة، ومع أنها موجهة للطفل فهي تشد الكبار قبل الصغار إلا أن المؤلف السويدي الذي اشتهر بكتابته لحكايات وقصص الأطفال على مستوى إسكندنافيا وأوروبا يبحر بنا في هذه القصة إلى أفق آخر، إلى أرض «فلسطين» حيث تدور أحداثها في تلك الأرض القلقة المتعبة غير المستقرة، حيث الصبّية «سلافة» الطفلة الفلسطينية التي تطفو أحلامها فوق بحر الشّعر بألوانه القزحية في عالمها الملون، والصبي أخوها «أدهم» الشجاع غير الهيّاب، هاذان الطفلان يعيشان أحلاماً يضيق بهما واقع الأرض المحتلة القاسي، يعيش هاذان الأخوان مع أسرتيهما المكونة من الأب والأم في ظل جدار فاصل، هذا الجدار الذي منعهما من أن يعيشا عيشة طبيعية، منعهما من بيتهما ومدرستهما وطفولة بريئة مليئة بأهازيج الفرح واللعب.. والكاتب هنا يصور لنا ما شاهده خلال زيارته للضفة الغربية مقحماً قصائد محمود درويش، محلقاً بنا في عالم الشعر الذي يسرد مكنونات النفس البشرية برقته.

الكاتب في هذه القصة أراد أن يلمس الضمير الإنساني، وأن يلفت نظر العالم إلى واقع الطفل الفلسطيني وما يعيشه من ألم وحرمان والعالم واقف يتفرج على بؤسه، حملت لنا دار المنى في معرض الكتاب هذه القصة بين جميل ما حوته من كتب للأطفال منتقاة بعناية، حيث إن الطفل العربي يحتاج إلى ما يلهب مشاعره ويشحذ تفكيره للتعامل والتفكير بكل ما حوله، والقضية الفلسطينية هي قضية كل عربي لذلك تكثيف حضورها بأذهان الناشئة أمر ضروري لخدمتها ولإشراك العالم بهمنا العربي، والأطفال هم سكان العالم القادمون لذلك التوجه لهم هو مطلب طبيعي لتربيتهم النفسية وتحضيرهم عقلياً لقضايا فشل الكبار في احتوائها علّهم يوماً ما يحلون مشاكل استعصت علينا.