الصدمة في اللغة تعني الدَّفعة ومعاني أخرى، وهو ما كان يقصده الأمير محمد بن سلمان في حديثه مع صحيفة واشنطن بوست، فالمجتمع كان بحاجة إلى تلك الدَّفعة التي تنقله إلى واقع جديد مختلف، فتدفعه عن التطرف والفساد، والكسل والجمود، والرعوية والاتكال، وتدفعه أيضاً عن الاعتماد على مصدر نفطي وحيد إلى مصادر أخرى متعددة، ومن الإسراف إلى الكفاءة والتوازن، ومن البطالة إلى العمل الحر، ومن التأزيم إلى الترفيه، ومن الدفاع إلى الهجوم، ومن المبادئ إلى المصالح، وغيرها من الدفعات التي كان المجتمع يحتاجها لينهض إلى مشروع رؤيته، وأحلام طموحه، واستثمار إمكاناته، وريادة أعماله، وتنافسية حضوره.

المجتمع السعودي واجه في سنتين مضت أقوى دفعة في تاريخه، وتفاجأ بحجم وقوة وطموح تلك الصدمة، وتفاجأ بها، لكنه سرعان ما انسجم معها؛ ليس لأن الحكومة هي من تقف خلفها، أو ترعاها، أو تحث عليها، ولكن أيضاً لأن المجتمع كان في انتظارها، وتواقاً لها، ومحتاجاً إليها، ومؤمناً بها، والدليل أن الهواجس والمخاوف التي أحاطت بالمجتمع لعقود لم تكن سوى سراب في عصر الصدمة، والمتطرفون بأحكامهم ورؤاهم سقطوا وفشلوا في مواجهتها، والفاسدون في نهب المال العام توقفوا وتراجعوا، والمشككون تعرّوا بأفكارهم وخطابهم وقصر نظرهم.

الصدمة كانت ضرورة لمجتمع يملك كل تلك الإمكانات، والمقومات في أمنه واستقراره، ووحدته وتماسكه، وعوائد اقتصاده، وثقافة أرضه وإنسانه، وتاريخ تراثه وآثاره، وإنسانية مواقفه؛ فلا يمكن أن يبقى مجتمع بكل تلك المقومات عاجزاً عن النهوض، أو تحقيق رؤيته، أو المضي إلى العالم الأول الذي ينتظر حضوره ومشاركته؛ لذا كانت الصدمة طريقاً للخلاص من كل الطاقات السلبية التي أحاطت بنا خوفاً وتذرعاً وتردداً، وأصبحنا نعيش على طبيعتنا مؤمنين بثوابتنا، ومنفتحين على غيرنا، ونأخذ من الوسطية والاعتدال منهجاً، ومن قيادتنا نموذجاً، ووطننا هوية، ورؤيتنا طريقاً إلى كل ما نحلم في الوصول إليه.

النجاح الكبير للعلاج بالصدمة ليس في اتخاذ قرارها، ولكن في احتواء تبعاتها، وتتبع خطواتها، وتحييد مصادر خطرها، وهو ما تحقق في زمن قياسي مقارنة بشعوب أخرى لم تستطع أن تخرج من دوامة صدمتها، وثورات ربيعها؛ فالدولة وهي تعالج بالصدمة لم تترك شعبها في معاناة آثارها المادية، بل كانت قريبة منه، وتقدم صندوق المواطن وبدل الغلاء حلاً وسطاً لاستيعاب المرحلة، ولم تترك قطاعها الخاص يعاني بلا مبادرات وحوافز وتنظيمات، ولم تتجاهل ردود الفعل من دون تكوين رأي عام يتصدى لمحاولات الاختراق والتسييس من الإعلام المضاد.

الشعب السعودي استوعب الصدمة أو الدفعة، ويتعايش ويتكيّف معها، وينطلق إلى فرصه الذهبية في وطنه، وهو أجمل ما تركته لنا الصدمة؛ حينما بدأنا نفكّر أن في مجتمعنا خيراً كثيراً لم نكن متلمسين له إلاّ بعد أن رأينا الأجنبي يتخلى عن مواقعه؛ ليتقدم ابن الوطن بثقة واقتدار ليجد فرصته، ويحقق طموحاته.