قصبة الجزائر: حالة إبداعية خاصة

الجزائر مدينة مجهولة بالنسبة لكثير من الناس، لكنها مدينة «عبقرية» بتاريخيتها ومكونها العمراني الذي هو عبارة عن «مساطب» عملاقة مركبة فوق بعضها البعض تجعل من المدينة وكأنها مشكلة من خمسة أو ستة طوابق..

في عشة صغيرة مبنية من أعواد البامبو يوجد مطعم صغير على قمة القصبة التاريخية في مدينة الجزائر. العشة مفتوحة على البحر وعلى امتداد البصر. المكان مليء بالجزائريين وبغيرهم. لا أعتقد أنه يوجد مكان بهذه البساطة وبهذا السحر وفي مكان غير متوقع مثل هذا. عندما جلسنا لنرتشف كوباً من الشاي لم أرد القيام من مكاني لكن الوقت مر بسرعة ولدينا قائمة كبيرة من الأمكنة التي يجب علينا زيارتها. بالقرب من المطعم يوجد أحد أقدم المساجد في القصبة تعتليه المئذنة «المالكية» المربعة الشكل «الصومعة» ويقع أسفلها سبيل ماء مازال يستخدم من قبل المارة. المكان مريح وعبقري. قال لي مرشدنا: هناك منزل يمكن رؤية القصبة كلها من سطحة وصاحبه سمح لنا بالصعود والمشاهدة.

عندما صعدنا للأعلى شاهدت كيف أن القصبة التاريخية بنيت على مرتفع ينحدر إلى البحر وهي تبدأ من الأعلى وتتدرج حتى حدود البحر، لذلك طرقاتها كلها عبارة عن سلالم ويندر وجود زقاق مستوٍ، وقد بدأنا من الجزء الأعلى حتى يسهل علينا النزول وكانت هذه خطة ذكية من صديقنا الجزائري. ربما يصعب تصديق أن تلتقي بشخص تعرفه فوق سطح هذا المنزل ولكن ما حدث هو أن المعمار الأردني راسم بدران ظهر فجأة على السطح هو وزوجته وكانت المفاجأة مدهشة حقاً إذ يبدو أن هذا المطل حقق شهرة واسعة لمجرد أن صاحب المنزل (حرفي يعمل على حفر الخشب وتصنيع الأثاث التقليدي) فتح منزله للجميع.

الجزائر مدينة مجهولة بالنسبة لكثير من الناس، لكنها مدينة «عبقرية» بتاريخيتها ومكونها العمراني الذي هو عبارة عن «مساطب» عملاقة مركبة فوق بعضها البعض تجعل من المدينة وكأنها مشكلة من خمسة أو ستة طوابق. العلاقات البصرية بين أجزاء المدينة سلسة جداً ولا تشعر أن المدينة تقع فوق مكون جبلي، والعلاقات البصرية مدروسة بعناية مع أنها مدينة قديمة بني الجزء الأهم منها عبر قرون عدة آخرها ما خلفه الفرنسيون أثناء احتلالهم لهذا البلدة لمدة 132 عاماً. لكنّ الجزائريين لم يتنازلوا عن هويتهم ولم يفقدوا ثقافتهم، فقد لاحظت أن معظم النوافذ التي توجد في المباني التي بناها الفرنسيون مغطاة بستارة من القماش لحفظ هوية المنزل من إطلالة الشبابيك في المباني المقابلة. هذا الحل السهل جعل من الشوارع والمباني مهرجاناً للألون، وأضفى روح ثقافية جديدة على المدينة.

عندما زرت الجزائر لأول مرة، وكان ذلك في العام 2007م (بهدف إعداد تقرير لجائزة الأغاخان عن أحد المشروعات في بني يزجن في غرداية 600 كلم جنوب العاصمة) دهشت من هذه المدينة، فقد كنت متخوفاً من زيارة هذا البلد الغامض بالنسبة لي، لكن تفاجأت فعلاً من عمق المدينة الثقافي والعمراني، وعندما زرتها العام 2008م وكان ذلك في شهر رمضان المبارك من أجل تحكيم مسابقة الجامع الأعظم الذي أوشك بناؤه على الانتهاء، تعرفت على الإنسان الجزائري المثقف والمتدين والمتمسك بعروبته. في هذه الزيارة كان الرئيس السابق أحمد بن بلا -رحمه الله- يشاركنا الحوار حول مقترحات المساجد المتقدمة للمسابقة يومياً بعد صلاة التراويح. وفي كل مرة كانت القصبة بهدوئها وبجمال مساكنها وبتفاصيلها البصرية المدهشة هي الحاضرة والمسيطرة على ذهني.

هناك مدن يصعب أن تكتفي منها بزيارة واحدة، فهي مجمع كبير لأسرار لا تفضح عن وجودها بسهولة، وتحتاج إلى بصر وبصيرة لاكتشافها، وأزعم أن الجزائر أحد تلك المدن التي لم يكتشفها كثير من الناس خصوصاً محبي الفن المعماري والرسم على الخزف (الزليج) والحرف التقليدية التي تكتظ بها حوانيت القصبة، والشواطئ المفتوحة والأثار القديمة المدهشة التي تقع في ولاية تيبازا التي لا تبعد سوى مسافة قصيرة عن العاصة، ويوجد بها الضريح الملكي الموريتاني الذي يشبه أهرامات الجيزة بمصر شكلاً وتقنية. مكان مدهش وحضارات غامضة تشعل الذهن وتملأ البصر.






مواد ذات صله

Image

مطلوب حماية كأس زايد!

Image

دروس متأخرة

Image

سوق مالية متقدمة

Image

الركود العالمي والصين

Image

مستشفى الواتس أب التخصصي

Image

في مكتبتي







التعليقات

1

 علي ثويني

 2018-03-03 09:38:29

الجزائر كبلد مدرسة معمارية حقيقية، لو زرت وهران أو قسطنطينه أو عنابه أو حتى تميمون، أو جيجل، ستجد في كل منها درس lecture وعبرة معمارية..من المعروف أن ليكوربوزييه كان متقد النشاط لزيارة المواقع (الفطرية Vernacular ) ليستشف ويستلهم منها أفكار وحلول لم تطرقها الحداثة الساعية للجديد المنفلت، فكان له منها الكثير ولاسيما كنيسة رونشامب التي لو كنت تبنيها في غرداية الأباضية لوجدتها جزء لايتجزا منه معماريا، وتعلم المتحف المفتوح من المسجد المزابي القابل للتوسعة ، وغيره من الإبداعات التي أجاد بها أهل الجزائر قبل وبعد الإسلام، وثمة ملاحظة بأن عمارة شرق أفريقيا وعمان توحي لي بأنها نتجت عن فكر إسلامي (معتزلي عقلاني)منفتح، فتناغمت بالفحوى والمقاصد تماما وأختلفت فيها الاشكال بحسب معطيات المكان ..ربما زرت جنابك مبنى البريد المركزي (لا كراند بوست) في وسط الجزائر، وهي تمثل بواكير طراز أطلق الفرنسيون عليه (أرابزانص) اي المعرب، وعم وشاع في جنوب أوربا وأمريكا اللاتينية قبل شيوع حداثة القرن العشرين، وكان يمكن أن نستلهم كعرب منه الكثير، فقد سمي (العقلانية المحلية)، وهو مهاجنة لبيبة بين الهوية التراثية المحلية والحداثة.. اجزم أن الجزائر مدرسة معمارية قائمة بذاتها لكن أكثر العرب والمسلمين لايعرفون.