إلى أي مدى يمكن للسياسة أن تظلم الأدب؟ يُطرح السؤال في عتمة ما يحدث لترقية أعمالٍ لمصاف الضوء وإسقاط أعمالٍ أخرى في تلافيف النسيان. تفعل السياسة ذلك من أجل أهداف غامضة، تنشأ أساساً من خلافات خارج دائرة الأدب..

ثم تنشر تلك الحساسيات الخفية بين أهل الإعلام والأخبار، فيصنف الكُتّاب والشعراء بين مقبول وغير مقبول، وبين من يجب أن نسانده ومن يجب أن نتركه على هامش الحدث، فتدخل الكلمة حيز العداوات السياسية الغبية، التي لا دخل للكاتب فيها لا بناقة ولا بجمل، ولكنّه مع الأيام تُلوى عنقه ويُدفن حياً في مقابر المتخاصمين، قد يُسخّر قلمه لتلك الحرب، أو يترك الإبداع جانباً.

خطر ببالي هذا الموضوع وأنا أقرأ رواية المغربي أحمد توفيق، إصدارات المركز الثقافي العربي (الدار البيضاء - بيروت) المعنونة بـ»جارات أبي موسى»، والتي شدتني كالسِّحر، حتى أصبحت أنام وأستيقظ وهي بين يدي.

رواية متقنة البناء كأنّها تحفة من تحف البنيان الأدبي وعَمَارِه، أنيقة، ومفعمة بعناصر الإمتاع، ثرية بمعلومات تاريخية تعيدنا لواقع المغرب الأقصى ونوع الحياة فيه خلال القرن الرابع عشر، تجانس فيها التاريخي مع الاجتماعي الثقافي، مع كل تلك الكماليات الأدبية التي صاغ بها الروائي نصَّه.

نصٌّ لا يَنتُجُ إلاَّ عن أديبٍ ضليعٍ في اللغة العربية ومفرداتها الشاسعة، ومخيلة بارعة في جمع شمل الحكايات الموزعة في كتب التاريخ.

والخلاصة أن ما وجدته في نتاج معالي الوزير أدهشني أيَّما إدهاش، فقد تعودت أن أُبعِدَ كلَّ نتاج يأتيني من شخصية وزارية، أو مسؤولة في سلم الدولة، لخبرتي وخيباتي في هذا النوع من الناس، الذين يحصلون على المناصب، ويحتاجون للأدب لتبييض سمعتهم، وكسب بريق في المجالس الخاصة والعامة، إلّا أن هذا الروائي المتمرِّس، ظلمته الوزارة فأخفت ما أبدعت يداه ومخيلته، وقد ساءني أن أجد من يهاجمه خلال عملية بحثي عن سيرته الذاتية بأقسى ما يمكن أن يوصف به شخص، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما على مزيد من الجهل الضارب لعقولنا وأفئدتنا، وبصائرنا المغمضة تماماً أمام ما نملكه من ملَكَات إبداعية.

أحمد توفيق لمن لم يقرأه بعد، كاتب فوق الممتاز، وصدقاً قد لن يحتاج لشهادتي، لكني أشهد أمام رب العالمين بثقة ليُقرأ، فيكسب القارئ العربي نصاً من النصوص الجميلة التي تفتقر إليها مكتبتنا العربية، ونعرّف بالرجل بمواهبه، لا بوظيفته، وهي على كل وظيفة سامية، توفر له العيش الكريم، عكس غيره من الكتاب، وهم كثر، يكتبون ما يرضي إعلامنا، ويعيشون مسلوخي الحقوق من طرف قراصنة الكتاب وقراء بالآلاف لا يسمنون ولا يغنون من جوع.