في الماضي القريب كان الإنسان يعيش لحظات انتظار لحدث معين بشوق ولهفة ويعد الليالي والأيام يترقب كي يتحقق له ما يريد ويصبو إليه، قبل أن تنتشر وسائل التقنية الحديثة ووسائل الاتصال، خاصةً برامج التواصل الاجتماعي التي أفسدت فرحة الترقب وقضت على الخصوصية وأوقات الخلوة مع النفس، والأمثلة على ذلك عديدة، ومن ذلك تحين أوقات نزول المطر، فما أن يشاهد السحاب ناشئاً في الماضي إلاّ ويتمتع الكثيرون خاصةً من كبار السن والمزارعين بمخايلته، فترى الكل منهم يشيح ببصره متتبعاً لدروبه ويشاهد بفرح وميض بروقه ويسمع هزيم رعوده فيعلم أنه في لحظات قليلة سيعم الخير منطقته وبلدته فستستقبل الأرض العطشى حبات المطر، وهناك فئة من الناس تعشق إلى حد الجنون المطر وتتسقط أخباره بل إن بعضهم يمضي الساعات الطوال في مخايل السحاب - أي النظر في الأفق البعيد - ليعرف هل ستمر هذه السحب من حولهم مما يبشر بهطول المطر أو أن هذه السحب ستذهب إلى جهة البلدان المجاورة، ومع مرور الوقت يكتسب هؤلاء الخبرة فيخبرون أن هذا السحاب سيمضي إلى البلد الفلاني وسيمطر عليه، والبعض منهم يعرف بالخبرة وتراكم الخبرات أن هذا السحاب قادم إلى البلدة فيبشر الجميع بوصوله إليهم قريباً وبهطول الأمطار، كما حدد بعضهم من لون السحاب مدى غزارته وإن كان معه شبوب - أي حبات برد - ويحذر الناس من ذلك قبل وقوعه بوقت كاف ليأخذوا حذرهم، وغالباً ما ينظر من يخايل إلى جهة القبلة وهي جهة الغرب لمن هم في وسط بلادنا حيث إن قدومه من الغرب ينبئ بقرب هطوله، وعادةً ما ينشأ السحاب من جهة الجنوب، وإذا هبت الرياح من جهة الشمال فإن هذه ليست بشرى طيبة لمن يخايل، فمعنى ذلك أن السحاب سيذهب بعيداً عنهم وقد أطلقوا قديماً على رياح الشمال اسم "مفرقة السحاب"، أمّا هبوب الرياح من الشرق فإنها لا تؤثر ولكنها تبطئ من سير السحاب وتؤخر هطول المطر وعندما يتوقف يتابع السحاب فيعلم أنه سيمطر على البلدان التي يتوجه إليها، ولكن مع تطور العلم وتقدم الزمن وظهور المواقع التي ترصد حركة السحب وسرعة الرياح فقد تبدل الحال فكثر الهواة المهتمون بمتابعة أحوال الطقس خاصةً أوقات هطول الأمطار إذ يستعينون بتوقعات الأرصاد الجوية بهطول أمطار على عدد من المناطق والتي ترصد حركة السحب يومياً وتصدر تحذيراتها بهذا الشأن.

وسائل الاتصال الحديثة قدّمت لنا «الرفاهية» إلاّ أنها قضت على كل ما هو جميل في الماضي

وودع أغلب المهتمين بـ"مخايل السحاب" هوايتهم المحببة إليهم وإن كان القلة ما زال يمارسها كنوع من التسلية وحب لمراقبة السحب بالعين المجردة، ولا أحد ينكر أهمية التوقع الجوي الحديث فقد ساعد في الإنذار والتحذير من الأحوال الجوية الخطرة، وهو من ضمن الخدمات التي تقدمها المراكز الرصدية في حال توقع أحوال جوية صعبة، كإجراء احترازي للحفاظ على الأرواح والممتلكات.

إعلان النتائج

ومن الأمثلة الأخرى التي أفسدت لذة الانتظار أيضاً بسبب انتشار التقنية الحديثة معرفة نتائج الاختبارات التي كانت تحتاج إلى أيام من أجل إعلان النتيجة والحصول عليها بمراجعة المدرسة لصفوف النقل أو عبر موجات الأثير ومن ثم الصحف لشهادة إتمام الدراسة لجميع المراحل الثلاث الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وتتعدد الأمثلة في هذا المجال، مما جعل المرء يحن وبشدة إلى عيش حياة جيل الأمس في الماضي القريب ببساطتها.

وما زال الكثيرون يتذكرون فترة الانتظار لظهور نتائج الاختبارات حيث يكونون على أحر من الجمر شوقاً لسماع خبر إذاعة أسمائهم في المذياع لمن أدى اختبار إتمام الشهادة، وبعد ذلك صارت تنشر أسماء الناجحين في الصحف التي يتجمهر حول مقراتها الكثير من الطلاب وأولياء أمورهم ليتلقفوا الطبعة الأولى التي تخرج مع ساعات الصباح الأولى وقبيل الفجر، ثم صارت النتائج تعلن من نفس المدرسة من اليوم التالي لنهاية الاختبارات، وأخيراً في أيامنا هذه صارت تعلن فور انتهاء لجنة آخر مادة فبعد ساعات من التصحيح والمراجعة تعلن النتائج على شبكة الإنترنت في نفس اليوم حيث يستطيع كل طالب أو ولي أمره الدخول على موقع برنامج "نور" وبرقم سري خاص به ليعرف نتيجته ومن ثم طباعة الشهادة دون الحاجة إلى مراجعة المدرسة أو الانتظار طويلاً كما كان في السابق.

هطول الأمطار

ومن أكثر الأشياء التي اهتم بها الناس في هذا العصر وذلك بتتبع أخبارها هي توقعات هطول الأمطار وذلك لمحبة الجميع لرائحة المطر التي يستبشرون بقدومها، وكأن حبات المطر تغسل قلوبهم وتسقيها قبل أن تغسل الأرض وتسقيها، ففي هطوله المتتابع تأخذ الأرض زينتها وتحلوا الرحلات البرية إلى المتنزهات الطبيعية طلباً للراحة والاستجمام ومشاهدة الغدران الصافية ونباتات الربيع العطرية الفواحة وبساط الخضرة والجمال، لذا فقد وجدت متابعة أخبار الأمطار عبر برامج التواصل الاجتماعي اهتمام الكثيرين خاصةً من كبار السن، ونتيجة لذلك فقد كثر هواة متابعة أحوال الطقس وأنشئت "قروبات" خاصة في برنامج "الواتساب"، وكثرت متابعة الهواة أيضاً عبر برنامج "تويتر" وغيرها، ويستمد معظم هؤلاء الهواة معلوماتهم وتوقعاتهم من أهم المراصد العالمية التي أوجدت لمتابعة مستجدات الأحداث الجوية، والتي ترصد درجات الحرارة والضغط وتوقع المطر ومن أهمها المرصد السعودي للأرصاد وحماية البيئة والإنذار المبكر، إضافةً إلى مراصد عالمية كثيرة مهتمة ومنها على سبيل المثال "موقع هام ويذر"، وموقع "فوركا"، وموقع "أندر قراوند"، وموقع "ميتو ستار"، وكذلك الموقع النرويجي، وموقع "قمر ميتوسات" للعواصف والغبار والسحب، وموقع "ويذر اون لاين" للحرارة والأمطار، وخرائط الجبل لدرجات الحرارة ورياح الأمطار، وفي بداية كل موسم من مواسم الأمطار تنشط هذه المواقع ويكثر نشر هؤلاء الهواة والمهتمين بمتابعة أحوال الطقس توقعاتهم التي يتلقفها المتابعون وينتظرون بفرح أوقات نزول المطر وفي بعض الأحيان تصيب هذه التوقعات بينما تخيب أخرى وتكون الحالة الجوية عكس التوقع تماماً، مما جعل الكثيرين يضيق ذرعاً من كثرتها التي لا تصيب، والتحذيرات التي تكون في غير محلها، إذ قد تحرم هذه التوقعات الكثير من الناس من التنزه أو السفر خشية حصول الضرر ولكن لا يقع أي شيء مما تم التوقع به.

حيطة وحذر

وحدث منذ فترة قريبة تحذير من أحد هواة الطقس أو من يدعي أنه من المتابعين للحالات الجوية والمختصين لمن حوله في مدينته بأخذ الحيطة والحذر وعدم الخروج للتنزه في يوم إجازة رسمية، حيث سيعم الجو حالة من الغبار والرياح الشديدة، وانتشر هذا التحذير في مواقع التواصل الاجتماعي، فأحجم الناس عن الخروج للتنزه في ذلك اليوم، ولكنهم فوجئوا بأن ذلك اليوم كان الجو فيه جميلاً وهادئاً ولم يحدث أي شيء من توقعاته، فندموا على الامتثال لأمره بعدم الخروج، فقد حرمهم النزهة لاعتقادهم أنه ممن يختص بالفعل في متابعة الحالات الجوية، وكان ذلك درساً لهم في تلقي التحذير من مصادره الرسمية المختصة، وأمام كثرة الهواة من متابعي حالة الطقس وتخبط كثير منهم وعدم دقتهم في التوقعات فقد ضاق الكثيرين من توقعاتهم وتمنوا لو يعود بهم الزمن إلى الوراء ليعيشوا كما كان يعيش الأجداد في متابعة أحوال الطقس بأنفسهم على الطريقة التقليدية بـ"مخايل السحاب" وفرحة هطول الأمطار دون توقع.

وأجاد الكثير من الشعراء في تسطير أمنياتهم بأن يحدث ذلك دون الرجوع إلى هؤلاء المختصين والمهتمين والهواة فقال شاعر:

الله لا يتكلنا على قول الأرصاد

وش قالوا الأرصاد وش قال خالد

القول قول الله هو اللي لياراد

يامر وتاتيك السحايب تجالد

الواحد اللي دون والد والأولاد

وارحم للأولاد من قلب والد

إنك تغيث بلاد وتفرح عباد

وتجعلك بهايمك الضعيفة توالد

كشف الحمل

ومن الأشياء التي قضت على فرحة الانتظار هي الكشف عن الحمل، حيث كان يلزم المرأة التي كانت تظن أنها حمل مراجعة المستشفى من أجل إجراء تحليل حمل وكان يستغرق ذلك يوماً أو يومين لتظهر النتيجة، ولكن بفضل التقدم العلمي باتت أي امرأة تريد أن تجري تحليل حمل أن تتوجه إلى أقرب صيدلية لتحصل على جهاز تحليل الحمل وتستخدمه في منزلها في أي وقت لتجري الاختبار في أقل من دقيقة، وكذلك بالنسبة إلى تحديد جنس الجنين فقد كانت المرأة الحامل تنتظر قدوم المولود لتعرف هل هو ذكر أم أنثى، ولكن مع تقدم العلم وتطور أجهزة الكشف بات من الميسر معرفة نوع الجنين منذ أن تدب فيه الحياة ويتحرك في أحشائها، وذلك بالكشف بجهاز الأشعة فوق الصوتية لدى المستشفيات، خاصةً لدى الخاصة التي تخبر المرأة بنوع الجنين عند طلبها، وهذا ما لا يتوافر بالمستشفيات الحكومية التي لا تخبر المرأة الحامل، وذلك اتقاءً للمشاكل، حيث إن هذا الجهاز دقيق في كشفه إلاّ أنه يمكن ألا يعطي نوع الجنين الحقيقي عند بعض الأطباء، ولكن رغم ذلك فإن التقدم قد خدم شريحة أخرى من المرضى في سرعة تحديد أمراضهم من خلال التحليل الذي صارت أغلب تحاليله تخرج في نفس يوم المراجعة إن لم تكن في لحظات.

الكل مشغول

وعلى الرغم من أن التقنية الحديثة وثورة الاتصالات قد أعطتنا الكثير من الرفاهية وسهلت لنا سبل العيش وقربت لنا كل بعيد ويسرت العمل فصار ما يتم إنجازه في أسابيع وأيام ينجز في ساعات ودقائق بفضل هذه التقنية من صناعات وغيرها، إضافةً إلى اختصار الوقت والجهد في أمور السفر والتواصل بالمكالمات الهاتفية وبرامج المحادثات، إلاّ أنها بالمقابل قد أفسدت علينا ساعات الصفاء وراحة البال إذ صار الكل منا منشغلاً بما أفرزته الحضارة الحديثة والتقدم التكنولوجي الهائل فصار الكل منشغلاً عن الآخر حتى أقرب قريب، فالأسرة الواحدة في البيت تجتمع بالأجساد ولكنها متفرقة، فالكل منشغل في غرفته أو في زاوية من زوايا البيت أو حتى وهو يجلس مع أسرته وهو يحمل هاتفه المحمول أو جهازه الذكي يتابع الأخبار أو يجري رسائل عبر برامج التواصل الاجتماعي كـ"السناب شات" أو "تويتر" وغيرها، أو يتصفح المواقع أو يستغرق في ممارسة الألعاب الإلكترونية سواء الفردية أو الجماعية وربما واصل السهر من أجل ذلك، وصار الجميع لا يستطيع الذهاب إلى أي مكان إلاّ وهو يحمل جهاز الاتصال الخاص به الذي يربطه مع العالم ويحرص على وجود تغطية للشبكة، وربما حرم نفسه من الاستمتاع بالطبيعة التي لا يمكن أن يعمل بها جهازه الذكي الذي يحمله أينما توجه، وصار عقله مشوشاً بما يتلقاه من أخبار ومتابعات للأنشطة الرياضية والاقتصادية، وفقدت جلسات السمر نكهتها وصفاءها حيث ترى الجميع منكباً على جهازه وربما ساد الصمت والجميع منسجم بما يتصفحه حتى يحين وقت تقديم طعام أو انصراف.

روتين ممل

وحوّلت التقنية المتقدمة حياتنا إلى روتين ممل، حيث قتلت عنصر المفاجأة أو لذة انتظار خبر جديد، فبالأمس كنت تسر بمفاجأة زيارة قريب أو صديق لك يأتي من دون موعد، ولكن بفضل تقنية الاتصال وتعقيدات الحياة صارت الزيارات تتطلب تنسيقاً واتصالاً مسبقاً، وحتى انتظار هطول الأمطار صارت تسبقها تحليلات أحوال الطقس التي كثر المتخصصين فيها والهواة وغيرها الكثير، مما جعل الحياة رتيبة والعمل روتينياً، وكذلك اللقاءات والزيارات وكل نواحي الحياة.

مواقع متابعة أحوال الطقس قضت على مخايل السحاب
صورة جماعية لطلاب ناجحين بعد انتظار النتائج
جيل الأمس بساطة لن تعود
تتبع أحوال الطقس عبر التقنية لمعرفة إمكانية الخروج للتنزه
أجهزة كشف جنس الجنين قضت على عنصر المفاجأة
برامج التواصل الاجتماعي أفسدت ساعات الصفاء
في الوقت الحالي الأغلبية مشغولون بأجهزتهم الهاتفية
حمود الضويحي