يسرد المفكّر والكاتب الكبير الراحل الدكتور زكي نجيب محمود في لقاء متلفز، قصّة طريفة حول تساؤله عن عبارة «الأسلوب هو الرجل»، ومتى يكون فعلاً للكاتب أسلوب؟ فيقول: من سنين طُلب منّي في أحد المجلات أن أكتب، ففكّرْتُ أن أكتب عن أسلوب عباس محمود العقاد. .وفعلاً كتبت العنوان على الورق.. لكني سألتُ نفسي: من أين جاء معنى الأسلوب وهي من الثلاثي «سَلَبَ» أي سرقَ؟! كيف جاءت؟ فتركت المقالة وذهبت للقواميس لأرى هذا النّسلَ من معنى «سلب»، فوجدت شرحاً جميلاً جداً، وهو أنّهُ يكون في الكتابة أسلوب إذا عرف الكاتب، كيف يسلب من نفسه سِرّها؟! إذ أنّ النفس ضنينةٌ بِسرّها، فليس كلّ إنسان قادر على الإفصاح عمّا تضطرب به نفسه.. إنما الكاتب يستطيع أولاً على نفسه هو، أن يسحب من الداخل ليعرضَ على الورق، ولولا قدرته على ذلك لَظَلّتْ كامنة في نفسه، ومن هنا جاءت كلمة «الأسلوب» هو الرجل، إذ يضع الرجل نفسه على الورق وبالتالي تُعرَف شخصيته وملامحه وكثيراً من خصائصه ممّا يكتب.

وتتفاوت أساليب الكُتّاب ما بين السهولة والوضوح والوعورة والخشونة والجمال، وكل كاتب يسعى لأن يختط لنفسه مساراً كتابياً وإبداعياً يمثّله ويعكس طبيعته وصفاء روحه، ومكنون ضميره وفكره، وبما يعكس ميكانيزماه المتفرّدة التي لا تحاكي ولا تقلّد، وإنما تغترف من معينها النفسي وطياتها المخبوءة.

ويمثّل الكاتب الكبير أنيس منصور نموذجاً جلياً على الرغبة في التفرّد في الأسلوب وعدم الارتهان للتقليد والمحاكاة، فهو برغم افتتانه بأستاذه عباس العقاد إلا أنّه يكره أن يكتب بأسلوبه، ويذكر حادثة له مع العقاد حين كتب مقالاً بعنوان «الفن الهادف» وأعجب بأسلوبه العقاد فأتعسه ذلك فيقول:عندما كنا في صالون العقاد قال لي: قرأت مقالك يا مولانا وأعجبني وأسعدني ذلك. ويضيف: العقاد لا يعجبه إلا أن يكون أسلوبي قريباً من أسلوبه وهو جاف خشن، إنه يشبه السقايل في العمارات، تركيب هندسي، ولكنه ليس ناعماً ولا جميلاً، إنه ضروري ليقيم فوقه هذا المعمار الهندسي الفخم. هنا أزعجني الأستاذ العقاد، ومسّ أعمق أعماقي، فأنا تخصصت في الفلسفة ثم كنت مدرساً في الجامعة، وكنت حريصاً على أن أجعل القضايا الفلسفية سهلة يفهمها أقل الطلبة تخصصاً.

ومن المعروف أن أسلوب أنيس منصور يعمد إلى السهولة والوضوح وإيصال المعنى بأسهل طريقة، ولذلك يقول في مقدمة كتابه «قالوا»: إنّ أسلوبي (محزّق) أي ملتصق بجسم المعنى.. قريب منه كأنه بشرة ثانية أو هكذا صرت أو هكذا في مرحلة مبكرة من حياتي الفلسفية كنت أحلم بذلك.

لذا من المهم تفطّن الكاتب لتقاليد المقالة أياً كان نوعها ومراعاة أصولها وجماليتها والتي تخلق للكاتب تفرداً وخصوصية وأسلوب يكون له بمثابةالبصمة من الإصبع.