كثيرة هي قصص الشرق التي تثير مخيلات الغرب، ومنها قصص الصراع مع الفقر والحروب وموجة التطرف.

تلفت الأنظار تجربة مخرج الأفلام الوثائقية البريطاني فيل جرابسكي Phil Grabsky، والذي سحرته معاناة الشعب الأفغاني الذي وقع بين مطرقة الطالبان وسندان الغارات الأميركية في محاولاتها لكسر شكيمة التطرف المتمثل في منظمة القاعدة. ولقد قام جرابسكي بشد الرحال لأفغانستان مباشرة بعد سقوط الطالبان، وانغمس بشجاعة الفنان الباحث عن الحقيقة بقلب تلك المطحنة البشرية في وادي باميان خاصة على بعد 230 كم شمال غرب العاصمة كابول، حيث لجأت أكثر من 200 عائلة تم تهجيرها لتعيش في تلك القفار. ولقد خلص بقصة فيلمه الوثائقي الرائع والذي يحمل عنوان "الولد الذي يلعب على أنقاض البودا داميان The Boy who Plays on the Buddhas of Bamiyan" الذي خرج لصالات السينما عام 2003، ويعتبر من تحف السينما الوثائقية وكسب ما يزيد على الـ 13 جائزة حتى الآن. ويحكي الفيلم قصة الجنة أو الجحيم الذي يصنعه الإنسان لنفسه وبنظرته للحياة، وذلك من خلال حكاية مير، الطفل ابن الثامنة من العمر، والذي اكتشفه المخرج يحيا في كهف وعلى أنقاض تماثيل البودا داميان، تلك التماثيل العملاقة والتي يرجع تاريخها للقرن الرابع والخامس الميلادي وتعد من نوادر التراث الإنساني العالمي، بصفتها أضخم المنحوتات في العالم منحوتة من قطعة صخرية واحدة، فأطولها يبلغ الـ 53 متراً، و لقد قام جند الطالبان بنسفها عام 2001 بحجة أن العالم ينفق على الآثار بسخاء بينما يترك الشعب الأفغاني يموت بالملايين سواء بالجوع أو بالقصف الجوي.

عبر فصول السنة الأربعة يتابع الفيلم الطفل مير والذي لاتغيب الابتسامة عن وجهه رغم الفقر والجوع والموت الذي يتهدده. مير يتنقل بخفة ماعز جبلي بين المرتفعات الصخرية وفي الكهوف ويتسم بطرافة ومرح وتفاؤل لكأنه يتربع على عرش سري للعالم. مير ابن الثامنة الذي يدهش فريق التصوير بزهده الفطري والذي رغم إغراءات فريق التصوير يظل يحيا على كسرات الخبز والماء، أقل القليل يمنحه سعادة لا تمنحها خيرات وأطايب الموائد المقدمة لأبناء القادرين والأثرياء في العالم، طفل لم يملك قط أية لعبة ولم يتلذذ بكتاب يشيع فرحاً ورضا يشعر فريق التصوير بالعجز أمام رضاه واكتفائه، أنها الروح الطليقة التي لم تأسرها عبودية المادة، أنه الفرح الفطري بالشمس والحجارة ودهشة الوجوه التي يستدعيها الفضول، تشعر بمير يقود فريق التصوير أكثر من كونه يُقْاد، هو المحرك لندرة الحبكة رغم بساطته، حبكة انتصار الإنسان على واقعه وارتقائه بالشظف والحرمان، لكأنما يتحول الشح على يديه لنعيم والفقر لغنى يفوق كل غنى. أنها الروح التي لا يكسرها جشع، أنه الوجود في برزخ من رضا لاتبلغه حسرة.

من مير الطفل نتعلم فن الحياة، ومن هنا تأتي فرادة هذا الفيلم وعمق نظرة مخرجه الذي اكتشف هذه الجوهرة النادرة في جحيم التشرد والحرب والاضطراب الأفغاني ما بعد الطالبان. فيلم جدير بالمشاهدة إن لم يكن لجماليته الفنية فإنما للخلوص بشحنة رضى.

الجدير بالذكر أن المخرج فيل جرابسكي استمر يتابع الطفل مير فأخرج فيلمه الثاني بعنوان The Boy Mir- ten Years in Afghanistan (2011)، وسيستمر في ملاحقة قصته حيث يخطط لإخراج فيلمه النهائي في العام 2021، إخلاص فريد لرسالة من قبل فنان يكرس حياته للانتصار للجمال أينما كان وللحقيقة.