في المفهوم النقدي مايشبه التعريف بأن الشعر هو موجات نفسية صارخة، وأحاسيس متيقظة يحتويها ثم يؤطرها في صياغة تضفي على تلقائيتها التنسيق والترتيب لتظهر صورة متكاملة كما في نظر منتجها، فالمتلقي له حكمه الذي دائما ما يكون مع ما يشدَّه من المغاير والمستجد الذي يرى أن يعبر عن مكنوناته وأحاسيسه فيتفاعل مع النص أو الشريحة التي قدمت له في قالب استحق رضاه.

حالة مباغتة تحل بالشاعر وتستولي عليه في عملية مؤداها ربط وتكتيف تلك الأحاسيس التي استسلمت لها، وصار فيها الشاعر كما الشجرة المصطنعة لازهر، ولاثمر ليس بفعله، ولكن استجابة للحالة اللا إرادية المباغتة، ففيها ما يصفه الشاعر والناقد د.علوي الهاشمي « الاحتباس الشعري « الذي يتعرض له المبدع ويظن أنه قد جَفَّ نبعه الإبداعي، وفي لحظة لم يكن يحسب لها أو يتوقعها تلسعة القصيدة بسوطها لتوقظه مشعرة إياه بأنها جاهزة فما عليه إلى أن يشحذ قلمه ويجسد أحاسيسه ومشاعره التي ظن أنه قد فقدها، لكونه قد صمت مدة ربما كانت طويلة عليه، ولكنه لم يستسلم لليأس وظل يأمل ويعمل ويتابع قراءاته وما يظهر من إبداعات جديدة وقديمة، وعندما انحلت العقدة وزال الاحتباس الشبيه بالبيات الشعري والمماثل مع الفارق بالبيات الشتوي، جاءت العطاءات مطمئنة الشاعر على نبعه وجدوله الرقراق المتدفق.

ذكَّرني بهذه الحالة الشاعر اللبناني هنري زغيب الذي عندما كان في غربته في أميركا إبَّان الحرب الأهلية اللبنانية في السبعينات/ الثمانينات من القرن الماضي يراسل الشاعر نزار قباني في غربته بلندن، وفي إحدى رسائله لصديقه الشاعر عبَّر (= هنري) عن قلقه من ابتعاد الشعر عنه في تلك الغربة الأميركية، فأجابه نزار: «قد يأخذ الشعر إجازة طويلة، وقد يسافر وتنقطع أخباره وتنقطع رسائله، ولكن ما يلبث أن يعود إلينا محملاً بالهدايا ويندس تحت شراشفنا باكياً ومعتذراً.. إياك أن تطارد الشعر أو تجري وراءه لأنك لن تمسك به أبداً إياك تستعمل معه القوة.. لا تفكر بالقصيدة ولاتتحرشْ بها فهي التي ستباغتك وتتحرش بك»

وينبهه بأنه ليس هو وحده من يصاب بما يشبه التّيبس أو الجفاف الشعري العابر فكل المبدعين الحقيقيين عرضة لمثل ذلك، فيقول له: «لا تقلق لانقطاع (حنفية) الشعر لأن الماء الصافي سيأتي.. سيأتي»

الشعر فن يحب الدلال فما عليك إلا أن تتركه طليقاً، مادام أليفك فلن يتخلى عنك مهما كانت وجهاته السياحية وتعددها ومهما كانت مددها فهو منك وفيك فلا تقلق، إنه يتزود بالهدايا التي سيقدمها لك.

*نبض

شقـراءُ يـا لغزاً يُحـيّرنــــي

يـا هـمسةَ الشحـرورِ فـي الفَنَنِ

شقـراءُ يـا نغمــــــاً يردّده

نـايُ الجـمـالِ بـمسمع الزمن

عـيـنـاكِ بحـرٌ ثـائرٌ عصفتْ

أمـواجُه الظـمأى لـتُغرقَنــي

حتى مَ أبقى يـا مُحـيِّرتــــي

أهـوى ونـارُ الـحـبِّ تحـرقني

( أيوب طه )