سنظل نشكر كثيراً للتقنية ما قدمته وتقدمه لنا من نفع وفائدة، وما تربطنا به من مشاهد، وأخبار، وأحداث، وأحاديث.. ولكنها في المقابل ربما سببت أذى لكثير من الناس، وبالذات في جانب الاتصال والإعلام. لأنه قد اختلط فيها، الصحيح بالكذب، والحق بالباطل، والعدل بالظلم، والوعظ بالفجور، والرزانة بالاختلال، والارتجاج الفكري والسياسي، وكشفت عوار العقل بشكل عام من خلال الكثير مما يطرح في وسائل الإعلام ووسائل التواصل، حيث تتراكم وتزدحم التفاهات الفكرية والانحطاط، والسقوط، والهزال الثقافي، وتهديم القيم.

ولعل أسوأ مافي الأمر وأكثره مرضاً؛ الممارسات والشعوذات، والبلاءات السياسية لمن ابتلي بمتابعة هذه الأحداث، والأزمات والمصائب التي تطحن وتدك عقول وأذهان وعظام هذا العالم..!

فما أبشع أن تجدك مضطراً لمشاهدة ما يحدث في الغوطة مثلاً، أو في ميانمار، بل وحتى أن ترى مجرماً يبيد الطلاب برشاشه في مدرسة أميركية! فالإنسان واحد، وجريمة القتل واحدة، وإن تعددت المبررات والأسباب..

ولا يقل عن ذلك بشاعة في سحق، وإهانة مشاعر الناس، من أن تجدك مضطراً كي تسمع الهراء والدجل والنفاق والاسترزاق من بعض التافهين وهم يرغون وينفعلون ويتناقضون، ويصرخون للا شيء! إلا أن الطرح والجعجعة والبعبعة، أصبحت جزءاً من المشهد المزري؛ إذ كيف لك أن تصغي إلى زفير وشهيق ذلك الشخص «البشع» شكلاً وقولاً وهو يفترس أعصابك بحديثه، وأنت تعرف أنه مرتزق وجاهل ومنحط وكذّاب أشِر.. وإنما استؤجر للنباح في قناة حاقدة..!

كيف لا تصاب بالقرف والغثيان، وتشتم وقتاً أجبرك واضطرك إلى أن تصغي لمثل هذه الكائنات الشاذة التي تدعي المعرفة وعلم الغيب والتنجيم السياسي بلهجة مخزية، وبلغة مخجلة، وبوجوه حُفِرَت عليها علامات الترهل العقلي؟!

إنه من البؤس والازدراء الشديد الذي يعاني منه الإنسان السوي أن يُجْعَلَ من عقله أُلعوبة بالتحايل عليه بمثل هراء هذه الطُغَّم الفاسدة، التي لاتردعها أخلاق ولا قيم، ولا تزجرها مبادئ وأعراف إنسانية.. وإنما هي عقول مَرَجَت على التزييف والنفاق والنفعية..

أعود إلى القول بأن التقنية نفعتنا كثيراً ولكنها أضرتنا في بعض جوانبها، حيث كشفت كثيراً من الأمراض الخطيرة والمدمرة، في ثقافتنا العربية السياسية منها والفكرية، حيث ازدحمت رؤوسنا بهذه الآفات والانحرافات والتشوهات والبلبلات العقلية..

وأظن أنه لا توجد أمة في كوننا العريض تعاني من الصرع، والشوزفرينيا الفكرية، والاضطراب الوجداني، مثل هذه الأمة المبتلاة بأكل لحم جسدها بشراسة..