عبر كل طلة أختلسها من العناوين التي تحضر بعد أي مؤتمر حواري وطني، أجد أن الأمر مازال يدور في حلقة مفرغة، في بعضها ملاسنات وخطابات.. وفي البعض الآخر استعراض وكأن شيئا لم يكن؟! وكأن المجتمعين غير معنيين بتأسيس نوعية لحوار نحتاجه.. لأن الأمر مازال يقتصر على الكتاب المعنيين بالشأن الاجتماعي من أولئك الذين يتبادلون الأدوار بنقد شأن الدوائر الحكومية، وبعض المشايخ المتمسكين بآرائهم ومن نحسبهم مثقفين، إلا أن سطحيتهم أضعفت التحاور، وبسبب ذلك لم يتسن لنا أن نضع ما نريد أن نصل إليه مباشرة أمام أعيننا، وكأننا خشينا أن نتلمسه أو نفحصه كي لا ينفجر في وجوهنا.

بكل صراحة فمن يتابع كل الحوارات السابقة يعتقد أننا فسطاطين منقسمين؛ لبيراليون ومتدينون.. ولا شأن للحوار بأي شيء آخر غيرهما.. ونسألهم ماذا عن الشباب وتطلعاتهم وتقبلهم لبعضهم.. وهل كانت تكفي تجربة وحيدة لنبذ التعصب رغم الاحتفاء بها.. ماذا عملنا لهذا الشأن المهم جدا؟!

الأكيد أن الأمن الفكري والاجتماعي والارتقاء بهما من خلال الحوار هما شأنان جديران بالوصول إلى أفضل الحلول والنتائج.. ولا أخال أنهما من أهم أهداف المجتمع والدولة، وعليه كان من الجدير أن نغوص في أعماقه وندرك منطلقاته.. لا نحصره على فئتين صنعناهما نحن.. ندرك المهم والأهم، لكن أن نتبارى في إثارة مشاكل جدلية جانبية غير مؤثرة.. فذلك من باب التعطيل والاكتفاء بالمشاركة.

نريد حواراً وطنياً ينفذ إلى المجتمع إلى الجهات المعنية يصبح قابلاً للتنفيذ بارتياح وقبول.. تأملوا ماذا عملنا تجاه جدلنا حول المناهج الدراسية وعبر عقود مضت.. والنتيجة لم نصل إلى شيء رغم أننا أدركنا أن كثيرا من مناهجنا باتت تشكل عبئاً على مستقبلنا.. فلماذا نركن إلى الجدل؟ ولا نتاج بعد ذلك.. بل لم نتعلم من الآخرين كيف فعلوا ذلك.. أوليس جديراً أن نتعلم من الأميركيين كيف أنهم أقدموا في العام 1957 إلى إقرار إلغاء نظام التعليم كاملاً، وبقرار مباشر ودون تأجيل لأنه لم يستطع أن يقدم تقنية الطيران في الفضاء كما فعل السوفييت.. أما نحن فنتوقع ونريد ونطلب.. ومن ثم نعود إلى ما كنا عليه.

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين أدركا بوعي القائد المتطلع لمستقبل أفضل أن التغير من حولنا كبير وعميق ومتسارع، ولا بد من مواكبته بأفضل القدرات الاجتماعية والاقتصادية، وما نتمناه أن تكون مؤسسات المجتمع داعمة لتوجهاتهما الراقية بما فيها الحوار الوطني الذي مازال أعرج غير قادر على وضع آلية تُعتمد لتفعيل الإيجابيات ولتجاهل كل من يقف أمام التمدن والارتقاء بالإنسان واحترام أبسط حقوقه.

الأهم في القول أن نحقق رؤيتنا المستقبلية «2030» وتطلعات قيادتنا بالعمل على ما نحتاجه وإدراك ما نريده، ولن يتسنى ذلك إلا بفهم عملية التغيير المجتمعي العالمي والمحلي أولاً، والارتقاء بالحوار والاختلاف ثانياً.. والآن ومع انطلاقتنا لتحقيق هذه الرؤية نحن بأمس الحاجة لصناعة وإنشاء تفاهم مشترك وفهم قائم على الاحترام المتبادل وتأسيس هذا الاحترام كقاعدة لتعاملنا، وتوريثه لأجيالنا، وكل هذا لن ينطلق إلا من عقول نيرة مدركة تريد الخير لبلادها.. لكن أن نستمر في الدوران داخل الدائرة.. فلا أشك أننا سننهك وتزيد مشاكلنا وخلافاتنا.