لماذا يتحرش العالم بنا؟ محاولاً تقديم نفسه وكيلاً عن الإنسانية، ونحن من أسس لها حينما كانت أوروبا تعدم العلماء والمخترعين والعباقرة..

ألا يستحي العالم من جهله بتاريخ وبحضارة الشعوب لينصب نفسه حامياً للإنسانية، متناسياً تاريخه وإرثه الحضاري؟! وألا نمتلئ نحن بتاريخنا وبحضارتنا فنُذكرهم بها إن كانوا يجهلونها؟!

الإنسان والإنسانية كلمتان متناسختان تأخذان من مفردتيهما معنى واضحاً لمفهمها، فالإنسان هو ما يعني تجرد المعنى ليصل شفيفاً متفرداً عن كل مفردات أخرى وكأنه يضع نفسه بين حاصرتين لمعنى (الهوية)، فليس للهوية أي مرادف آخر سوى معنى الـ (هو. هو) أي الذي يشكل هو ذاته دون تداخل أي مفهوم آخر حيث إنها في تعريفها الفلسفي المجرد الشامل هي: «مبدأ يعبر عن ضرورة منطقية تقضي بأن يكون كل معنى يتصور على أنه عين ذاته فلا يتغير الحال، وما هو صادق دائماً وفي مختلف الأحوال والموجود هو ذاته دائماً لا يختلط به غيره، أو يلتبس به ما ليس منه ويسمى بمبدأ وحدة الذات». والمملكة تحمل هذا المفهوم للمعنى.

وإذا ما نظرنا إلى مجتمعنا وخاصة في المملكة سنجد ذلك التوق الكبير بل والالتزام إلى حد المقدس للعادات والتقاليد حتى يومنا هذا وهو ما يكسب هذا المجتمع سمة (الهوية)، حتى وإن عبرنا القارات أو أتت إلينا زحفاً أو ركضاً أو هرولة. فلماذا يتحرش العالم بنا؟ محاولاً تقديم نفسه وكيلاً عن الإنسانية، ونحن من أسس لها حينما كانت أوروبا تعدم العلماء والمخترعين والعباقرة - ولسنا الآن بصدد عدهم أو سرد أسمائهم -، وبينما كانت أميركا تقتاد الأفارقة إلى قلعة في وسط المحيط الهادي مسلسلين ليتم توريدهم إلى سوق المتاجرة بهم، حتى ظهرت الثورة المكارثية في عهد قريب، وحينما كان الأمير الروماني (فلاد تيبيسو)، الملقب بدراكولا موصوفاً بتعامله الوحشي يزين قلعته والميادين بجثث المحكوم عليهم تفاخراً بقوته وغطرسته 1456 - 1462م، وحينما كان الإنجليز بضرمون النار في المواطنين الهنود إبان الاحتلال البريطاني لهم، حينها كنا نقيم طقوس العادات والتقاليد والأعراف كحق إجارة المستجير، ولها شأن كبير في هذا العرف وحق قراية الضيف والحجيج، وعلو شأن المرأة، حيث قال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري في كتابة الرحيق المختوم: «حينما يريد الرجل أن يمتدح فلا يخاطب إلا المرأة»، وحين كانت أوروبا تعقد اجتماعات ونقاشات في البحث إن كانت المرأة إنساناً أم لا، وصدرت حينها النتيجة بإعلان الكنيسة بأغلبية صوت واحد أن المرأة إنسان لكنها خُلِقَت لخدمة الرجل.

حينها كانت القبيلة تحمل اسم المرأة كأم للقبيلة مثل قبائل بني عاتقة وغيرها اعتزازاً بالمرأة فكانت المرأة حينها تقيم الحروب وتطفئها حتى جاء الدين الإسلامي، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم متمماً لكل لهذه الأخلاق.

ألا يستحي العالم من جهله بتاريخ وبحضارة الشعوب لينصب نفسه حامياً للإنسانية متناسياً تاريخه وإرثه الحضاري؟! وألا نمتلئ نحن بتاريخنا وبحضارتنا فنُذكرهم بها إن كانوا يجهلونها؟!

هراء ما يطوف على صفحات الواقع مما يتشدق به العالم في شكل أيقونة الإنسانية، التي لا يعرف لها أصل ولا قوانين، فهل هذه الدماء المهدرة على الأرصفة وعلى قوارع الطرق ليست دماءً إنسانية في سوريا واليمن والعراق وليبيا ومصر ومينمار وكل مكان في الوطن العربي، أم أن حقوق الإنسان فقط تنحصر فيمن يتحرشون به من الأنظمة والحكومات؟!

ما هذه الفرية التي تطلق على نفسها هذا الاسم، في وقت لم يعد فيه العالم يُعمل ذهنه في تفحص الكلمات؟! لكن فيما يبدو أن لحقوق الإنسان المقترحة مفهوماً آخر لا نقبله ولا يقبله مجتمعنا، لأننا مجتمع عرف وعادة وتاريخ نحترمه ونحافظ عليه. يقول معالي وزير الخارجية عادل الجبير في كلمته التي ألقاها في مجلس حقوق الإنسان السابعة والثلاثين في جنيف: «يجب أن نفرق بين مبادئ حقوق الإنسان المتفق عليها دولياً، والأمور الخلافية التي يروج لها البعض ويحاول فرضها، وفي هذا الإطار يلزمنا أن نحذر من محاولات فرض قيم غريبة على مجتمعٍ ما، بدعوى أنها من حقوق الإنسان».

هذه هي حقوق الإنسان التي يسعى وراءها الحقوقيون دون النظر في حق الإنسان في حياة آمنة كريمة مستقرة في كل بؤرة في هذا العالم، ولنا فيما يعانيه مسلمو مينمار والمجازر المرتكبة ضد أقلية الروهينغا وفي فلسطين خير شاهد.

سلمت يا جبير وسلم رأسك الذي يذكر تاريخه وتاريخ حضارته وتذكّر الغافلين -أو المتغافلين- بها حين قلت: «إن المملكة منذ عهد المؤسس تتشرف بخدمة الحجيج والمعتمرين وتقديم جميع التسهيلات لهم دون تمييز، والابتعاد عن أي تسييس، واستطاعت أن تتعاطى باقتدار مع الأعداد المتزايدة من الحجاج والمعتمرين، وقدمت لهم كافة الخدمات وتعاملت معهم على قدم المساواة».

تلك هي المملكة، وتلك هي عادات الجزيرة العربية التي تشكل لها سمة (الهوية) بمفردة الـ (هو. هو) الممتد في عمق تاريخه والتي يجب أن نذكّر به على الدوام؛ لأن العالم الآن يسعى لطمس الهوية ولطمس التاريخ وهو ما دعا إليه (دريدا) لهدم التاريخ، وهذا الفكر الفلسفي هو ما رأيناه يجتاح عالمنا العربي تحت شعار نهدم التاريخ لنعيد بناءه، وخاصة في موجة الثورات التي عايشناها حيث يقول في كتاب «تاريخ الكذب» عام 1997: «ثمة صعوبة لا يمكن تجاهلها، وهي تكمن في ضرورة التمييز بين تاريخ الكذب كمفهوم، وتاريخه في حدّ ذاته، والذي يحيل على عوامل تاريخية وثقافية تساهم في بلورة الممارسات والأساليب والدوافع التي تتعلق بالكذب، والتي تختلف من حضارة إلى أخرى، بل وحتى داخل الحضارة الواحدة نفسها».

لكننا لن نهدم تاريخنا ولن نهدم حضارتنا وسنذكر بها العالم على الدوام لأننا أهلها.