نظمت وزارة الدفاع هذا الأسبوع معرضاً لدعم التصنيع المحلي "أفد 2018"، وعرضت فيه مايزيد على 45 فرصة تصنيع للشركات المحلية والدولية المشاركة في المعرض والتي بلغ عددها 22 شركة، حسب تصريح للواء عطيه المالكي المتحدث الرسمي للمعرض.

المعرض هو امتداد لجهود المملكة لتوطين 50 % من الصناعة والإنفاق العسكري التي تنص عليها رؤية المملكة 2030، وجاء المعرض بعد إطلاق صندوق الاستثمارات العامة العام الماضي لشركة سعودية متخصصة في الصناعات العسكرية ستسهم -حسب المعلن- في رفد الناتج المحلي بحوالي 14 مليار ريال سنوياً وتخلق مايصل إلى 70 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

بالتأكيد، فإن التوجه للصناعة - بداية من الصناعة العسكرية - هو خيار جيد لأن الصناعة هي المجال الأهم والأخصب لخلق القيمة المضافة وتنميتها، وبها يتم التمييز بين الدول وتقسم بحسبها إلى دول صناعية "متقدمة" ودول غير صناعية "نامية".

إلا أنه على اليد الأخرى، فإنه قبل أن نتحول أو نفكر بجدية في دخول مجال الصناعة فلابد من التفكير في النقاط التالية:

أولا: أن التصنيع بغرض الإحلال بدلاً من الاستيراد أمر ثبت عدم جدواه، فطالما أن الشركة ضامنة للسوق ولعدم وجود منافسين لها فلن تهتم بالجودة ولا بالكفاءة ولن تكلف نفسها بالتطوير ولا التحديث، لذا تشترط كثير من الدول اليوم على المستثمرين المحليين والأجانب تصدير نسبة معينة من إنتاجهم من اليوم الأول للإنتاج لتقييم جودتها ومعرفة مدى تنافسيتها في العالم.

ثانيا: أن التصنيع والتطوير في الصناعة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتعليم والبحث العلمي، فليست المشكلة اليوم أن تستورد آلة ومدخلات إنتاج لتبدأ في التصنيع، بل المشكلة في ضرورة التطوير والتحديث المستمر الذي يعتمد على مستوى التعليم والبحث العلمي ومدى تقدمه ودعمه للابتكار والتطوير.

ثالثا: أن منحنى التعلم في الصناعة طويل جداً، فالزراعة والخدمات مثلاً لاتحتاج كثيراً من المهارات ولكن الصناعة على العكس تحتاج إلى خبرات وكفاءات فنية عالية التدريب والدقة والمهارة، وتوفير مثل هذه الكفاءات ونقل المعرفة فيما بينها يتطلب زمناً ليس بالقصير، ولاشك أن المشاركة مع شركات عالمية متخصصة في التصنيع العسكري تقلل فترة التعلم بشكل جيد ولكنها لاتعني قفز المراحل الضرورية للتعلم.

رابعاً، وهو مشتق من الثالث، أن الصناعة لاينفع معها مقولة "نبدأ من حيث انتهى الآخرون" وإلا كانت كل دولة بدأت مما انتهت إليه أمريكا، ولكن الصحيح أن الصناعة تعتمد على البناء التراكمي - بداية من الصفر أو قريب منه - لأن كل مرحلة تعتمد على ماقبلها وكل تجربة ناجحة هي نتيجة لما قبلها من المحاولات والخطأ والفشل، وهكذا.

خامسا وأخيرا، أن الصناعة تتركز فيها المنافسة بشكل أكبر وأكثر شراسة من بقية القطاعات الإنتاجية الأخرى، ولذا فإنه قبل التفكير في التصنيع فعلينا أن نفكر بالميزة التي تجعل صناعاتنا تنافسية ومرحب بها عالمياً عند تصديرها، وهذا الشرط مهم وضروري التفكير فيه عدة مرات حتى لاننتج صناعة مكلفة بلا جودة ثم ندفع لمصنعيها أعلى من تكلفة السوق العالمية لأنها فقط انتجت عندنا، لأننا حينها سنكون خسرنا مرتين وليس مرة واحدة فقط.

وأختم بالعودة للتأكيد على أهمية البحث العلمي وضرورة تطويره لتقوم عندنا صناعة وتتطور، وأعتقد أن إنشاء هيئة عامة تتولى دعم البحث العلمي وتطويره وتوجيهه لما يخدم أهداف الاقتصاد هو أمر حان وقته، فالبحث العلمي عندنا ضعيف ومشتت وبيئته محبطة والعلاقة بين مخرجات البحوث والواقع الفعلي للبلد شبه معدومة، ولذا عسى أن تكون بداية توجهنا للتصنيع هي نفس بداية توجهنا لدعم وتطوير البحث العلمي الضروري والحيوي والمهم لنجاح التصنيع وغيره من القطاعات.