الاستراتيجية السعودية في العراق أن يبقى عربياً في هويته وتاريخه وإرثه وتراثه، وموحداً في أرضه وإنسانه، ومستقلاً في قراره، وراعياً لحق جواره، وشريكاً في أمن واستقرار منطقته؛ لينهض إلى المكان الذي يليق به بلا طائفية، أو مهددات حزبية وميليشية، أو مسرح للجماعات والتنظيمات الإرهابية.

المملكة تعود إلى العراق بعد 28 عاماً بمشروعات سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية ورياضية أيضاً، وتفتح طريقاً نحو تعزيز مظاهر الأخوة الصادقة، والمصالح المشتركة، والتفاهم على أساس من الثقة، والمصير الواحد، وكل ذلك أكبر من التصدي للمشروع الإيراني ونفوذه في العراق، حيث ما يجمع البلدين الشقيقين سابق للثورة الخمينية وأجنداتها الطائفية، وحالة اقتران شعبية في الدم والنسب قبل أن يطأ الفرس أرض الرافدين، وتعايش فريد بين الثقافتين السعودية والعراقية على أساس العروبة التي تجمع ولا تفرّق.

الطبيعي جداً أن يعود البلدان إلى سابق عهدهما، ويتركا الماضي بكل تفاصيله، ويمضيا إلى مصالحهما، مدعومة بإرادة سياسية توجت بمجلس للتنسيق السعودي العراقي، ومشروعات اقتصادية وتنموية، وحدود مهيأة للانفتاح على كل ما يقرّب بينهما تجارياً وسياحياً، إلى جانب ما انتهت إليه زيارة الوفد الإعلامي إلى العراق مؤخراً من تهيئة وتقارب وتعاون وصياغة وترميم الخطاب الإعلامي بين البلدين؛ ليكون أكثر قبولاً وتوازناً ووضوحاً في دعم التوجهات السياسية والاقتصادية في هذه المرحلة، كذلك المباراة الودية بين منتخبي البلدين في البصرة كبداية عهد جديد بعد غياب دام أربعة عقود عن الملاعب العراقية، وما تحمله من رسالة تضامن وتعايش وأخوة بين الشعبين الشقيقين.

كل ذلك الحراك السعودي تجاه العراق ليس له ثمن سوى أن يعود إلى حضنه العربي، وأن العروبة لا تُطمس بمشروع الطائفية، ولا تغيب عن مشهد المصير الواحد مهما كان حجم التدخلات الإقليمية، وهو المنطلق الذي تعبّر عنه المملكة في استراتيجيتها الجديدة في العراق؛ فكلنا عرب بقيمنا وأصالتنا وتاريخنا ومصيرنا ودمنا، وهو الدافع أن نبقى في حضرة العروبة أخوة متعاونين، ونتصدى معاً لكل من يحاول أن ينال منها، أو يؤزم مواقفها، أو يتجاهل مكانتها في نفوس أبنائها.

الشعب العراقي عانى كثيراً من مشروع الطائفية، ولم يجد فيه سوى الدمار، والحصار، والفساد المالي الذي أثقله بالديون، والبطالة، رغم ما يملكه من موارد نفطية وصناعية وزراعية، ولكن هذا الشعب العظيم سيقول كلمته، ويمد يده، ويتحرر من قيوده؛ ليجد المملكة حكومة وشعباً أقرب إليه، وحرصاً عليه، وثقة فيه، وحينها تتعرى الشعارات وتبقى الحقائق شاهدة على الواقع الذي يبعث الأمل والحياة من جديد.