يمكن القول، إجمالاً، أن النظام القطري، على ضوء ما تم تسجيله، يتحول تدريجياً من دولة ذات سيادة إلى دولة تحت «الحماية»، على اعتبار أن الدوحة افتقدت، عمليّاً، لاستقلالية القرار السياسي وأصبحت قوتها الاقتصادية والطاقية في خدمة المشروع السياسي لإيران وتركيا ..

إذا كانت العناصر المادية المكونة للدولة مُنحصرة، كلاسيكياً، في الشعب والإقليم والسلطة السياسية المنظمة، فإن العرف الدولي أضاف عنصري «السيادة» و»الاعتراف» لاكتمال الشكل القانوني للدولة. وهنا اعتُبرت السيادة امتداداً للسلطة السياسية للدولة، الشيء الذي دفع البعض إلى اعتبارها ركناً رابعاً من الأركان المادية المؤسسة للدول، فيما ساهمت آلية «الاعتراف» في الحد من استفادة بعض التنظيمات المتطرفة أو العنصرية من امتياز الشخصية القانونية حتى لو استطاعت تجميع العناصر المكونة للدولة (داعش مثلاً).

إن عملية مسح بسيطة للبيئة الاستراتيجية القطرية تفيد بأن الدوحة افتقدت لأهم مقومات السيادة الوطنية من خلال الإجماع على كون القرار السياسي القطري أصبح يخضع، عمليّاً، لإملاءات خارجية تتماهى مع الأطروحة الإيرانية-التركية على المستوى السياسي، مع مواصلة الانضباط للطرح الإخواني الذي راهن عليه نظام الحمدين، منذ سنوات، من خلال آليات الانتشار والاختراق كان الغرض منها خلق كيانات سياسية تابعة لقطر وإيديولوجيا لجماعة الإخوان «المسلمين».

ولعل افتقاد قطر لبوصلة القرار السياسي يواكبه انهيار في فرض السيادة الاقتصادية على الثروات الطبيعية، على اعتبار أن قوة قطر الاقتصادية ساهمت بشكل كبير في إفراز قرار سياسي قوي دفعها إلى رسم «استراتيجية واهمة» لإخضاع دول المنطقة، بعدما تم حقنها، من طرف التيار الإخواني، بعقيدة الخلافة وإمكانية تحولها إلى «مركز ثقل» المشروع الإسلامي «المعتدل».

ويبقى من تمظهرات انهيار منظومة السيادة الاقتصادية على الثروات الطبيعية القطرية ما أعلنه وزير النفط الإيراني بيجن زنكنه بتاريخ 28 يناير 2018 عن تخطي حجم إنتاج بلاده شريكتها قطر في حقل الغاز المشترك بينهما «بارس الجنوبي»، والذي تطلق عليه الدوحة «حقل الشمال»، في ظل العلاقات الوطيدة التي تجمع الإمارة الخليجية مع النظام الإيراني على خلفية الأزمة الخليجية، منذ مطلع يونيو الماضي.

إن دولة قطر، ورغم أنها تبقى «دُويلة» صغيرة ولا تمتلك عمقاً تاريخياً أو حضارياً، إلا أنها استطاعت، من خلال سياسة إعلامية واحتياطات هائلة من الغاز الطبيعي، أن تصبح رقما مهمّا في المعادلة السياسية بالمنطقة، خصوصاً بعد تبنيها للتيار الإخواني في جميع دول العالم وقدرتها على تحريك التنظيمات الإرهابية لإنهاك الدول الإقليمية الأخرى التي لا تتبنى بالضرورة الطرح السياسي للدوحة.

لقد ساهم التوهج السياسي لقطر، والدعم الكبير لكل من إيران وتركيا وإسرائيل، إلى تطلعها للعب أدوار، يعتبرها البعض، أكبر بكثير من حجمها الحقيقي. هذا المعطى، دفع قطر إلى تصديق أطروحة «اللاعب البديل» في المنطقة وتحلم بأن تُصبح عاصمة الإسلام السياسي والممثلة الشرعية للإسلام السني، خصوصاً مع ضمان ولاء الإخوان والتنظيمات التكفيرية التي استطاعت أن تخترقهم بقوة المال والإعلام.

ويمكن القول، إجمالاً، أن النظام القطري، على ضوء ما تم تسجيله، يتحول تدريجياً من دولة ذات سيادة إلى دولة تحت «الحماية»، على اعتبار أن الدوحة افتقدت، عمليّاً، لاستقلالية القرار السياسي وأصبحت قوتها الاقتصادية والطاقية في خدمة المشروع السياسي لإيران وتركيا في مقابل ما تقول عنه قطر أنه «حماية لأمنها القومي»، بعدما أقنعها «الحُماة الجدد» بوجود تهديد حقيقي لوحدة أراضيها ولنظامها السياسي.

وحيث إن نظام الحماية يفترض وجود سلطة سياسية محليّة إلى جانب إدارة «أجنبية» تعمل على التصرف في هذا البلد بشكل يتوافق مع أهدافها السياسية، والتحكم اقتصادياً في الأمور المتعلقة بثروات البلاد وعدد من القضايا التي تعرفها الدولة «المحمِيّة» في «أوقات الحماية»، وحيث أن الدور الإيراني-التركي في قطر يهدف إلى:

حراسة الأراضي القطرية براً وبحراً وجواً.

الحرص على توفير سلامة وأمن عناصر النظام القطري وتسهيل مهامه (حراسة عناصر الحرس الثوري الإيراني للقصور الرئاسية في قطر).

إشراك عناصر النظام في تطبيق نظام الحماية.

تعيين مسؤولين عسكريين إيرانيين وأتراك بصلاحيات واسعة وشبه عامة.

إخضاع القرار السياسي القطري لموافقة تركيا وإيران بما يتوافق مع الأهداف السياسية والدبلوماسية لهذين البلدين..

فإن النتيجة المنطقية التي نصل إليها، هي أن النظام القطري أصبح، سياسيّاً، بلداً «فاقداً» أو على الأقل في الطريق إلى فقدان، السيادة السياسية والاقتصادية على قراراته الاستراتيجية، الشيء الذي يُحتّم على قطر مراجعة اختياراتها قبل الوصول إلى «نقطة اللاعودة»، خصوصاً مع رصد مؤشرات الانهيار الاقتصادي والسياسي كمقدمة للخضوع، كُليّاً، لمشروع ولاية الفقيه والمشروع الإخواني بالمنطقة.