بعض الأفلام حين تشاهدها تترك داخلك الأثر الذي تتركه قصيدة شعر، تشعر بأنك خفيف، أن الدنيا ليست مفهومة لكنها جميلة، أن الحياة تفاصيل صغيرة، وأن جمالها في هذه التفاصيل.

الفيلم الأميركي باترسون الذي صنعه المخرج جيم جارموش، وقام ببطولته الممثل آدم درايفر هو بالتأكيد أحد هذه الأفلام، فيلم اللاحدث، لا يوجد حدث مهم في الفيلم، لا يحكي قصة، لكنه يقوم على رواية تفاصيل يومية روتينية في حياة سائق باص شاب يدعى باترسون، على نفس اسم المدينة التي يعيش فيها، باترسون يكتب الشعر، يحب لورا، يقود الباص، يمشي مع الكلب حتى الحانة التي يجلس فيها ويتحدث إلى الساقي وربما قلة من الزبائن الآخرين قبل أن يعود إلى البيت.

نتابع باترسون وهو يقوم بهذا الروتين على مدى ثمانية أيام، ليس فيلما عاديا، صانع هذا الفيلم فنان إلى درجة مذهلة، لأن التفاصيل الدقيقة والرقيقة التي ينثرها في اليوم الروتيني العادي لسائق الباص، مليئة بالفن، الشعر، والجمال.

باترسون يستيقظ كل صباح، في نفس الوقت بدون منبه، لديه ساعة داخلية تدل على حساسيته الداخلية والتي تبرز طوال الفيلم. صديقته ورفيقته فنانة، تعيد ديكور المنزل وتحوله إلى اللون الأبيض والأسود، الستائر، لون الجدران، حتى ملابسها والكب كيك الذي تصنعه، كل الفنون التي تمارسها لورا، مقتصرة على هذين اللونين.

باترسون يكتب الشعر، يكتبه في دفتر صغير، يرافقه وهو يسوق الباص، يدون فيه بضعة أسطر كل صباح وهو أمام مقود الباص، نسمع صوته يتلو الأبيات التي يدونها، قبل أن يقطع خلوته مشرف الفترة، الذي يستغل سؤال باترسون له عن حاله كي يبدأ بالشكوى والتذمر من كل شيء.

تتكرر الإحالة إلى الشاعر ويليام كارلوس ويليامز وقصيدته باترسون، الذي عاش ومارس الطب بالقرب من باترسون، كتب القصائد التي ترافقنا طيلة الفيلم الشاعر رون بادجيت، قصائد شفافة، وجميلة وبسيطة وساحرة.

باترسون لا يحمل جوالا، يكتب قصائده بالقلم في دفتر، ظلت لورا تطلب منه طوال الفيلم أن يقوم بنسخ القصائد على آلة زيروكس في المحل القريب، وهو يؤجل، حتى حدث ما يجعل قلب المشاهد يتمزق حين تمزق الدفتر وفقد باترسون كل الشعر الذي ظل يكتبه على مدى سنوات.

هناك اللقطات التي تمنح الفيلم هذا الشعور الغامض الذي يمنحه الفن الجميل، لقطات غير مفهومة، لقطات سوريالية أحياناً، مثل تكرار رؤية التوائم، التي تعترض طريق باترسون وتلفت انتباهه، وهناك لقطات تمنحك الشعور الإنساني بالدفء والمشاركة، مثل المشهد الذي جلس فيه إلى جوار طفلة كانت تنتظر والدتها وأخبرته أنها تكتب الشعر وألقت عليه قصيدة كتبتها ظل يرددها باترسون لأنها أعجبته.

الفيلم ليس به أحداث، الهدوء الذي يرتسم على وجه البطل، يمنحك الشعور بالسكينة والجمال. فيلم تستريح فيه من بقية الأفلام الصارخة والمبتذلة.