ما أخشاه بالفعل أن يصل مجتمعنا إلى تلك الحال، في ظل حالة من التناحر الفكري التي أصبحت تزداد احتقاناً مع الوقت على شبكات التواصل الاجتماعي، كلما علت نبرة الاتهامات المتبادلة والاستفزازات والاستهداف المتبادل..

يسيء بعضهم تفسير الحرية، ولا بأس في ذلك إذا بقي تفسير أحدنا للحرية لا يتجاوز أفكاره الشخصية ومعتقداته التي لا يلزم بها أحداً، لكن أن يتخذ بعضهم من مناخ الحرية القائم الآن في بلادنا معبراً لفرض آراء أقل ما يقال عنها إنها صادمة للمجتمع ولا تراعي ثقافته ولا مشاعره، فهذا من شأنه أحد أمرين؛ إما أن يتحول المجتمع إلى فرق متناحرة كل فرقة تمثل طيفاً فكرياً، وبين هذه الفرق يبقى المجتمع ممزقاً ضائعاً، يعيش أزمة هوية، تفرق بين الأخ وأخيه والابن وأبيه، والزوج وزوجه، في ظل فتوى رأي عارمة تمارس من فوق منابر فكرية جامحة كل منبر منها همه الأول والأخير الانتصار لآرائه ومعتقداته مهما كانت جامحة، والمحصلة في الأخير ضرر جسيم يلحق بالنسيج الاجتماعي ومن ثم الوطني في ظل قطيعة فكرية تتسع فجوتها بين أطياف المجتمع وتزداد عمقاً مع مرور الوقت، حتى تبقي القطيعة بظلالها السوداء على كل شيء، ويتحول المجتمع إلى خنادق فكرية، كل خندق متشبث بأفكاره، معتقداً اعتقاداً تاماً غير قابل للشك في صحتها، ومعتقداً أيضاً في خطأ الآخر.

وفي هذه الأجواء المحتقنة من الصراعات الفكرية التي تفضي إلى حالة من الاصطفاف تتحول الأطياف الفكرية وتتجاوز خنادقها أفق الاختلاف الوارد بين أبناء الوطن الواحد، إلى الاتهامات المتبادلة بالخيانة والتغريب والعمالة من طرف، والاتهامات بالتطرف والرجعية والتخلف من الطرف الآخر، في أجواء من الاستفزاز والسخرية ومناصبة العداء واستقطاب الأتباع من هنا وهناك، وسعي كل طرف لحشد مناصرين بأدوات تأثير كثيرة، وكأنهم يحضرون لمواجهة كبيرة، نخشى أن تقع فعلاً، مواجهات قد تتجاوز الواقع الافتراضي عبر حسابات شبكات التواصل الاجتماعي إلى الواقع، وليس هذا ببعيد ولا غريب في ظل ما تشهده أقطار مجاورة اليوم من انقسامات فكرية عنيفة بين تيارات فكرية وحزبية تحولت إلى احتقانات مجتمعية خلفت فرقة اجتماعية واضحة وقطيعة تجاوزت الأفكار إلى الناس، فأصبحت تلك المجتمعات تشهد حالات قطيعة وعداء ذهب ضحيتها أقارب بل إخوة وأصدقاء وأزواج وزملاء بل وعابرون عاديون أصبح من الوارد أن يشتبك أحدهم بالأيدي مع عابر آخر فقط لاختلافهم في الرأي وتبعية كل منه لفصيل فكري أو سياسي مختلف عن الآخر.

نعم يحدث هذا ونراه بعيوننا هنا على أرضنا بين كثير من الفرقاء أبناء الوطن الواحد حين يتحاورون هنا بيننا، وقد تعترينا الدهشة من مناصبة كل منهم الآخر العداء، وما نرجوه أن نتعظ بهم، وألا تصل بنا الحال إلى أن نصبح مثلهم كل منا يناصب الآخر العداء فقط لأن كلاً منا يتبع فكراً مختلفاً.

لا أظن أن أحداً سيخالفني الرأي في أننا لسنا معصومين مما وصل إليه غيرنا إذا سلكنا الطريق نفسها، وما أخشاه بالفعل أن يصل مجتمعنا إلى تلك الحال في ظل حالة من التناحر الفكري التي أصبحت تزداد احتقاناً مع الوقت على شبكات التواصل الاجتماعي، كلما علت نبرة الاتهامات المتبادلة والاستفزازات والاستهداف المتبادل.

ما أعرفه وما يقبله المنطق، وما تعمل به النخب العاقلة حول العالم، أن يحترم كل منا وجهة نظر الآخر وتصوره عن الحياة والمواطنة والأخلاق، وألا يندفع أحدنا في تخطئة الآخر، أو رميه الاتهامات. هذه هي الضمانة الوحيدة لأن نبقى نسيجاً واحداً متماسكاً، كل منا يطرح تصوره وأفكاره بلغة راقية هادئة تساعد الناس على التأمل والتفكير والتوفيق بين وجهات النظر والأفكار المطروحة، لكن الواقع اليوم شيء آخر، وقد تحولت منصات الرأي إلى ما يشبه مدرجات كرة القدم تغصب مشجعين لهذا وذاك يتبادلون الهتافات العدائية من دون وعي أو فهم، في ظل حالة استقطاب حادة يلقي فيها كل طرف الطرف الآخر بصنوف الاتهامات في محاولة لإخراجه من المشهد وفض أتباعه من حوله، لكن هذا لم يحدث من قبل على مدار التاريخ، ولن يحدث، فسيظل لكل تيار فكري أتباعه، وقد أدى هذا النوع من الاحتقانات إلى فناء الملايين على مدار التاريخين القديم والحديث، لكن الأفكار بقيت تسقطب أتباعاً جديدين، نجح بعضهم في إقامة حوار متزن في فترات، وأفلتت الأمور من أيدي آخرين فذهبوا إلى الاقتتال على الأرض دفاعاً عن أفكارهم، مشكّلين حلقات فناء جديدة، نرجو ألا نذهب إلى أحد ميادينها في يوم من الأيام، ولا ضمانة لذلك إلا بأن نؤمن بالتجاور والتعددية الفكرية ونبذ الاستبداد بالرأي والإيمان المطلق بصواب كل ما نعرف.