أيقظ ما يسمى بالربيع العربي كل طامح ومتعطش للعب دور عجز عنه في عصور الاستقرار، من طالب مدرسة كان على مقاعد الدراسة فصار قائداً لميليشيا في دول كانت غارقة بالفوضى والفقر وجدت ضالتها في انهيار المؤسسات إثر الاحتجاجات التي أحالت دولاً عربية بأكملها إلى رماد، بعضها نفطي غني بالثروات والقدرات الكامنة فباتت هذه الدول ساحة للعب الميليشيات المتطرفة، وأطماع القوى الدولية والأقزام الإقليميين الذين يتحينون لهكذا فرصة منذ سنوات، كإيران التي وجدت موطئ قدم لها في أوطاننا في ظل الفوضى لتتحول المنطقة إلى ساحة صراع كبرى بين لاعبين كبار وصغار لا ينسجمون في كثير من الأحيان، ولا تعرف كيف اجتمع بعضهم في حلف واحد!

في عهد أوباما، كانت العلاقة الأميركية مع روسيا توصف بالسيئة رغم أن أوباما بحسب المحللين كان السبب الجوهري لعودة روسيا كلاعب في منطقة الشرق الأوسط بسبب الغياب الأميركي وسياسة أوباما "القيادة من الخلف".. كانت احتجاجات روسيا التي دامت بين العامين 2011 - 2013 آخر مرة يقرر فيها بوتين أنه سيكون تحت رحمة الأميركيين الذين اتهمهم بتأجيج الشعب ضده قبيل انتخابات مرتقبة في ضوء أفول الاحتجاجات قرر بوتين أن دعايته الانتخابية بعد الـ2011 ستكون مختلفة بالكامل وقائمة على روسيا جديدة تعيد أمجاد الماضي، حيث أطلق بوتين مبدأ "أعطوني سلطة مطلقة، سأقودكم للسيطرة على العالم".

وبدأت روسيا تعزز نشاطها الدولي في عصر أوباما الغائب والمشغول بالقيادة من الخلف، سعيا لمواجهة ما اعتبره ومناصروه هيمنة الولايات المتحدة على الساحة العالمية. في أوروبا، ضم شبه جزيرة القرم لروسيا فكان أن استجاب تحالف يقاد من الولايات المتحدة برد مسلح وضع المنطقة في أكبر سباق تسلح تشهده أوروبا منذ الحرب الباردة، لتقرر بعدها روسيا أن انطلاقتها واستحواذها على حلفاء في المنطقة ستكون من سورية، إلا أن روسيا أعجبت بلعبة الفيتو لمناكفة الآخرين حتى بات مجلس الأمن ساحة لتعطش روسيا للنفوذ، وإن كان هذا على حساب الآلاف من الأطفال الذين قضوا في سورية، وقد يقضون في اليمن بسبب الفيتو.. واستخدمت روسيا حق الفيتو الاثنين في مجلس الأمن هذه المرة ضد مشروع قرار بريطاني دعمته الولايات المتحدة وفرنسا يقضي بتجديد حظر نقل السلاح لليمن مع التنديد بتقاعس إيران عن منع وصول أسلحتها إلى الحوثيين، وواجهت الولايات المتحدة وبريطانيا الفيتو الروسي بانتقاد شديد،حيث اتهمت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هيلي في بيان روسيا بحماية "النظام الإيراني الراعي للإرهاب"، وحذّرت من مزيد من الإجراءات ضد إيران.. مضيفةً "إذا كانت روسيا ستستخدم الفيتو لمنع أي إجراء ضد سلوك إيران الخطير والمزعزع للاستقرار في المنطقة، فالولايات المتحدة وشركاؤها سيضطرون لاتخاذ إجراءات ضد إيران لا يمكن لروسيا منعها".

وعن الفيتو الروسي، قال الدكتور ايمانويل اتولينغي الباحث في معهد الدفاع عن الديمقراطيات بواشنطن لـ"الرياض": إن روسيا تحاول أن تحمي "حلفاءها أو وزبائنها الإيرانيين" من النقد، كما أن سورية أعادت الشهية الروسية للعودة إلى المنطقة وخاصة الدول التي كانت تقع في المحور السوفييتي، وروسيا تعتبر أن اليمن كانت من نصيبها وليس من نصيب الولايات المتحدة، وبالتالي السبب الأساسي للفيتو هو دفع نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها الذين يريدون تثبيت حكومة تلاحق وكلاء إيران في البلاد. ويقول اتولينغي إن ما خلق لحظة فاصلة ما بين روسيا القديمة وروسيا بوتين الحالية كان شعور الروس بالحرقة في بداية ما يسمى بالربيع العربي، بسبب تمرير قرار الأمم المتحدة بشأن ليبيا في العام 2011 ليأخذه منافسوهم في الناتو ويذهبون إلى ليبيا لدحر نظام القذافي وتقاسم النفوذ دون أن تحصل روسيا على شيء، من يومها أصبحت روسيا تريد العودة للمنطقة كلاعب وعامل ضغط عبر استخدام الفيتو باستمرار، ويضيف اتولينغي أن تصويت الروس على منع إدانة إيران من شأنه أن يعقد الأمور، وهذا هو بالضبط مبدأ الروس حيث يجيدون الاستفادة والتدخل حين تتأزم الأمور ويحترفون عمل "عامل الإطفاء"، لذلك يرغبون بدفع دول المنطقة والولايات المتحدة والغرب لمطالبتهم مناقشة الأوضاع في اليمن وإقحامهم فيها دون جهد أو عناء يذكر سوى استخدام الفيتو؛ ويؤكد اتولينغي اهتمام الروس وسعيهم لتطوير علاقات جيدة مع دول الخليج والمنطقة، كما تسعى الدول العربية لعلاقات مع روسيا بعد أن عاد نفوذها للمنطقة، لكن الروس يحبون لعب الصديق والمعادي في نفس الوقت، وبحسب اتولينغي، تحكم علاقة روسيا بالعالم العربي عدة أشياء أهمها رغبتهم بإعادة النفوذ الروسي ودحر النفوذ الأميركي مع أكبر عدد ممكن من الدول، وهذا هدف أساسي لبوتين كما يرغبون بشدة برؤية المنطقة ساحة للتنافس بين الولايات المتحدة وروسيا، التي لا تتورع عن فعل أي شيء لإذكاء ذلك.