مرّ المسرح العربي بتحولات عميقة، إلا أن الفجوات التاريخية في نشأته وتطوره تتسع دائماً عند البحث والتحليل. إن ظهور الرسم "النقش والنحت" باعتباره ظل الحركة الإنسانية ليكشف في كثير من المعثورات الأثرية عن فن "الفرجة" -الأساس العتيق لفن التمثيل- فقد ثبت ذلك في جداريات وفخاريات عدة من عصور الممالك العربية "الحضر والبتراء وتدمر والجابية والحيرة وذات كهل" بين القرون الثلاثة قبل الميلاد وحتى السابع الميلادي.

ولا تخلو المواكب التشريفية، بأدواتها من عصي ومباخر، وحركاتها إذ تكشف عن تمثيلية متخذة نوع المناسبة في أسلوبها وتعبيرها. ولا شك أن ذلك امتداد بوراثة التراث الثقافي المعنوي والمادي بين أرومة واحدة من الشعوب السامية: الآكادي والآشوري والبابلي والعموري والآرامي والكنعاني والعبري والعربي.

وعلى أن تاريخ المسرح العربي، بحسب دارسين وناقلين، وقع في مغالطة تاريخية لا تغتفر باعتماد الجذر الأوروبي لكل ثقافة نشأت في القرن العشرين بينما هي عقدة الانتساب إلى حضارات منقطعة كالإغريقية والرومانية تجاوزاً للعنصر التكويني في ما سمّي "عصر النهضة" وما نتج عنه من تحولات اعتمدت بانتزاع الشعلة الأندلسية المطرود أهلها –ليسوا عرباً فقط هناك الموريسكي والسفارادي-.

تدرج فن التمثيل العربي ضمن عروض الفرجة ونحتت مصطلحاته ووثقه رواة وأدباء ومؤرخون عرب كثر، إذ ورد في القرن التاسع، أكثر من إشارة عن التمثيل بمصطلح المحاكاة يساوي التعبيري أو الإضحاك أي الساخر، مثلاً، عند كبير الرواة أبي عبيدة معمر بن المثنى في "النقائض" متحدثاً عن العرض المسرحي الذي يقوم به كل من الشاعرين جرير والفرزدق عندما يتواجهان بما هو أبعد من إلقاء قصيدتين معارضتين كذلك عند ابن عبد ربه في "العقد الفريد" عن المضحكة سويداء الأنصارية التي تزور بيت السيدة عائشة بنت أبي بكر وتمثل عندها كذلك أورد ابن سعد في "الطبقات الكبرى" عن المضحك النعيمان بن عمرو. وقد أدرج الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين" مصطلح الحاكي واصفاً الحكم بن أبي العاص - والد الخليفة الأموي مروان بن الحكم -، وعرف في العصور الوسيطة هذا المصطلح بموازاة مصطلح أخرج أي: حاكى.

وتكرس فن الفرجة عبر نصوص أدبية مخصصة له مثل المقامات في القرن الحادي عشر والثاني عشر، وخيال الظل في القرن الرابع عشر حتى السابع عشر فظهر مصطلح المخايل الذي قاد إلى مصطلح المشخص في التاسع عشر قبل مصطلح الممثل في القرن العشرين حتى الآن.

ويعود هذا إلى نتائج كتاب "المسرح الحي والأدب الدرامي في العالم العربي الوسيط" لسامي معلم الذي غاب عنا العام الماضي.