الدستور كلمة فارسية الأصل وتعني القانون أو النظام.. واليوم تكاد جميع الدول تملك دساتير عليا تنظم السلطات، وعمل الدولة، والتشريعات الحقوقية والقانونية فيها.. بعضها دساتير اتفاقية غير مكتوبة (كالدستور البريطاني) وبعضها مرجعية مقدسة (كأن تستمد من القرآن الكريم) في حين يكتب معظمها وينشر علناً بحيث يمكن الرجع والاحتكام إليها (كبقية الدساتير الغربية)..

الدستور البريطاني مثال لدساتير غير المكتوبة تعتمد على العرف والقوانين والأحكام المرجعية السابقة.. ورغم أن القرآن الكريم يعـد دستوراً لملايين المسلمين، إلا أن عـدم استنباط قوانين مكتوبة منه (ومتفق عليها بين المسلمين كافة) يخلق عشرات المفاهيم والتفاسير التي تختلف بين المذاهب والمجتمعات والمرجعيات الدينية..

ولأن (ما لا يكتب) عرضة للتنازع والاختلاف وضعت أغلب الدول دساتير مكتوبة وواضحة بحيث لا يمكن تفسيرها بطريقتين.. بعض هذه التفاسير طويلة ومفصلة (كالدستور الهندي) وبعضها يركز على الأساسيات فقط (كالدستور الكويتي) في حين يأتي معظمها علمانياً متوازناً (كالدستورين الأميركي والفرنسي)..

وحين نتحدث عن علمانية الدستور نعني بذلك حياديته في التعامل مع كافة الديانات والانتماءات والأفكار.. لا يتدخل من قريب أو بعيد لصالح ديانة أو جنسية أو أيديولوجية معينة.. سبق أن كتبت مقالاً بعنوان «لماذا لم تصبح أميركا دولة شرق أوسطية» رغم أنها بلد مهاجرين يملك 4807 ديانات و47 فرقة إسلامية.. وكان الجواب؛ لأنها دولة دستورية علمانية تضمن للجميع حرية الفكر والمعتقد ويمنعها الدستور من التدخل بعقائد الناس ودياناتهم - وهي بالتالي تختلف عن الأنظمة الأيديولوجية التي تتخذ موقفاً مضاداً من الأقليات الدينية والإسلامية فيها..

لـم تقم أي نزاعات دينية في أميركا وألمانيا وهولندا والدول الإسكندنافية لأنه من غير المسموح للدولة (ولا أي جهة رسمية) بمحاباة أحد أو مساندة أحد في حين أنها مطالبة بحماية كل أحد.. بما في ذلك حق الجاليات الإسلامية في العبادة وبناء المساجد..

ولأن الدول الغربية لا تملك دساتير سماوية مقدسة، تـتعلم من أخطاء الماضي وتعدل دساتيرها بشكل دوري في ظل شروط وإجراءات صارمة يحددها الدستور ذاته.. خذ كمثال ألمانيا التي وضعت بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى دستوراً ديموقراطياً (عرف بجمهورية فايمر). غير أن هذا الدستور تضمن ثغرة خطيرة تمثلت في السماح للأحزاب المتطرفة بالمشاركة في الانتخابات - ومن هنا دخل هـتلر متزعماً الحزب النازي.. وبمجرد وصوله للرئاسة ألغى هتلر الأحزاب وقمع المعارضة وأشعل حرباً عالمية جديدة دمرت ألمانيا وقتلت 44 مليون إنسان.. وبعد هزيمتها للمرة الثانية عدلت ألمانيا دستورها بحيث يضمن - هذه المرة - عدم وصول أي مجموعة متطرفة أو مؤدلجة لسدة الحكم أو تفردها بزعامة أي مجلس سياسي..

الجميل في ألمانيا أنها لم تكابـر أو تدعي أن النازية جزءاً من تاريخها المقدس أو أن هتلر شخصية تاريخية أو اعتبارية لا يجوز المساس بها.. تقدمت خطوة في طريق الكمال حين اعترفت بأخطاء الماضي وكتبت تاريخها كما حدث فعلاً (دون تلميع أو تشذيب).. تعلمت خطأها التاريخي ودرسته لطلابها كما حدث فعلاً (وليس كما يرغب المؤرخ بحدوثه) كي لا يكرر الأبـناء أخطاء الآباء وتسلم أجيال اليوم من تكرار أخطاء الأمس..