يروى عن الكاتب الساخر الكبير أحمد رجب - رحمه الله - أنه ألّف رواية أسماها (الهواء الأسود) استغرق أقل من ساعة لإنجاز. هذه الرواية التي كانت عبارة عن جُمل وكلمات غير مترابطة، ويحاول الكاتب ألا تكون لهذه الجمل أي معنى في هذه الرواية، ونجح فعلاً، كان الهدف من كتابة هذه الرواية هو السخرية من بعض التيارات التي كانت تكتب في تلك الفترة بطريقة أقرب للعبث تحت مسمى التحديث أو للتباهي بتقليد مدارس أدبية غربية، لم ينته الأمر هنا، بل إن الأستاذ أحمد رجب بعث بهذه الرواية إلى مجلة الكواكب الشهيرة آنذاك مدعياً أنها لمؤلف أجنبي شهير يدعى فرديريك دون ماوث، فوصلت الرواية العالمية لعدد من النقاد الفنيين والأدباء الذين أدهشتهم الرواية، فقال عنها المخرج الكبير سعد أردش: إنها رواية عالمية، أما عبدالقادر القط فقال: إنها تمثل مأساة الإنسان في القرن العشرين، أما رجاء النقاش فرأى أنها تشير بوضوح إلى معاناة الإنسان المعاصر، كل هذا الكلام الجميل جعله أحمد رجب في مهب ريح السخرية عندما أعلن أنه المؤلف الحقيقي للرواية، وأنه لم يكن سوى ساخر عابث!

هذه القصة تحتاج كاتباً صحفياً بعقلية مخرج سينمائي عظيم يجيد نقل الكاميرا بخفّة ورشاقة لمشهد آخر دون أن يلحظ المتلقي الانتقال من القصة الحقيقية إلى تَتَبُعها على الواقع، أو لصياغة جديدة للقصة بتصرف بسيط لا يلغي روحها الساخرة، ففي صياغتها الجديدة يكون أحمد رجب ليس شخصاً واحداً، بل هو يرمز لصحافة أو إعلام، أو حتى رياضة، ولأنه بحاجة أن يعترض بطريقة لا تؤذي ولا تزعج أحداً، فكتب رواية مليئة بالرموز والإسقاطات التي قال عنها النقّاد: إن لها مآرب بعيدة.

لكن المفارقة أن أحمد رجب في القصة الافتراضية هذه لم يقل للنقّاد والمنظرين أنه كان يعبث، ولا يوجد في القصة رموز ولا أساطير، بل تركهم يصدقون أنفسهم، وربما حرّضهم بابتسامته أن يوغلوا في غيّهم!

لو عدنا للبداية وتساءلنا عن سبب كتابة الساخر أحمد رجب لتلك الرواية، وعن أيضاً سبب كتابة القصّة المتخيلة التي كتبناها أعلاه، وعن سبب كتابة هذا المقال أيضاً لوجدنا نفس السبب، نعم، ذات السبب حتى لو تغيرت ملامحه، فمرة يأتي ساخراً كأنه ضحكة على وشك الانفجار، ومرة حذراً يمشي على رؤوس أصابع قدميه، المفارقة أنه لم يأتِ يوماً وملامحه تشي بحمرة خجل، ولا متباهياً بجرأته، لا يثق كثيراً بـ(الحيط) ويعتقد أن المشي بمحاذاته نوع من الاعتياد على الرتابة والتصالح معها، يتذكر حكاية طائر اعتاد العيش في محمية محاطة بالأسلاك الشائكة، سيكتب هذا الطائر يوماً قصّة عن أجنحته التي نسيت أن الفضاء لا يوجد به أسلاك شائكة!.