لم أعد أسمع عن شخصية جحا الأسطورية التي ملأت يوماً الدنيا. لعلها غير موجودة في ذاكرة الجيل الجديد. تصلني مئات المواقف الضاحكة، نكت سخيفة وجيدة لم ينسب أي منها إلى شخصية جحا. في الأيام الماضية كان بطل النكت التي تعبر عن الذكاء والغباء. التي تعبر عن الحب والكره. التي تعبر عن الفقر والثراء.

اعتمد الناس هذه الأيام شخصية أطلقوا عليها لقب المحشش رغم أن إدارة مكافحة المخدرات حذرت من ربط متعاطي المخدر بخفة الدم والظرافة. لكيلا يستأنس الناس كلمة محشش فتدخل في القاموس الجمعي بشكل إيجابي. لم يأخذ الناس بكلام إدارة المخدرات ومضت في استلطاف شخصية المحشش حتى أصبح صديقاً الجميع.

كانت القصص الضاحكة والغريبة في الماضي التي تنسب اليوم للمحشش تنسب لجحا. شخصية تمتلئ بالتناقضات. تأخذ ما تجود به قدرات الناس على الإضحاك فتشكلت في أذهان الناس بصور مختلفة. لا يمكن أن تتخيل الشكل الذي كان عليه جحا. صورته في كتب الحكواتية المصريين والشوام بملابس فضفاضة وعلى رأسه طربوش شبيهة بالصور التي رسمها المستشرقون للناس في القاهرة في القرن التاسع عشر.

كثر الحديث عن أصل هذه الشخصية. ثمة من قال إنه تركي ومن قال إنه عربي ومن قال إنه فارسي.. إلخ. أقرب الظن أن بدأ شخصية حقيقة ولكنه انتهى أسطورية ففقدت كل ما يربطها بالإنسان.

لم يكتف الناس بإلغاء شخصية جحا بل سطوا على تراثه. نكت قديمة كان بطلها جحا أعيد تدويرها وصارت تروى بشخصية المحشش. يشي هذا أن شخصية المحشش صارت أكثر قبولاً وأكثر تأثيراً لإنتاج الضحك والابتسام. هذا مؤشر سيئ. لكن ما يدفع للطمأنينة أن التقليعات والاتجاهات والتعابير الشعبية سريعة الدوران والانتشار ولكنها في الوقت نفسه سريعة التلاشي ليحل محلها تقليعات واتجاهات جديدة. هذا التغير والتبدل في المزاج العام خاصة بين الشباب يمكن التدخل فيه والإسهام في توجيهه. أن تقوم الأجهزة المعنية كالإعلام والثقافة والمخدرات بتوجيه التقليعات بطريقة خفية.

تراقب إدارة المخدرات بجهازها الإعلامي (إذا وجد) المفاهيم والاسقاطات والألفاظ التي قد تتجه اتجاهات خاطئة أو ألفاظ مسيئة كـ(محشش) وأن تعيد تدوير النكتة باسم آخر.

أقترح إما إعادة شخصية جحا أو اختراع شخصية أخرى وإطلاقها بين الناس. يقوم بعض المحافظين بتدوير بعض الفيديوهات بعد أن يطمسوا صورة المرأة ثم يعيدوا نشرها متفقة مع نظرتهم وهذا ممكن مع شخصيات النكت والحكايات. تعيد نفس النكتة بالاسم الذي تراه.