بينما الليل يرخي لثامه، كانت بومباي تبدو كوميض نور خافت وبعيد يتوارى خلف الظلام هكذا بدأت لي بومباي عبر نافذة الطائرة، كانت الطائرة تتأرجح استعداداً للهبوط والناس في حالة حراك حثيث لربط الأحزمة، وفيما الطائرة تقترب شيئاً فشيئاً من المدرج، عدت بالذاكرة إلى حطام السنين المنفرطة من العمر، فتذكرت أرشيف زياراتي للمدن العربية، وكيف أنني تسكعت في شوارعها ووقفت طويلاً على أرصفتها أطوف على أسوارها كالملهوف وأصرخ في كهوفها كالمستغيث، أطرق أبوابها الموصدة، أرصد ردة فعلها، أنشدها عن حلم سحيق مر من هنا، حلم تغنينا به طويلاً وراهنا عليه طويلاً قبل أن تغشاه الأمية والقبيلة، هذا الحلم الذي لم أصحُ منه، إلا على اهتزاز الطائرة اهتزازاً عنيفاً، وهي تلامس عجلاتها أرض المطار بما يشبه الارتطام فاندفعت على المدرج بسرعة هائلة إلى أن هدأت وتوقفت تماماً معلنة وصولنا إلى مطار بومباي.

وقفت بسلم الطائرة هذه بومباي بصخبها وضوضائها تموج كفيلم سينمائي، ترجلت السلم وركبت سيارة أجرة يقودها هندي متحفز، لم تمتهن آدميته بعد بدليل الحيوية التي يتمتع بها اندفعنا داخل أحشاء بومباي حتى ابتلعتنا المدينة تمامًا، عشرات المباني وعشرات المناظر تتدفق على جانبي الشارع أمام ناظري، حتى وصلنا مركز المدينة فاهتديت إلى أحد الفنادق الشعبية.

كانت بومباي في الأسبوع الأول تمثل لي دهشة عالية شاهدت متناقضات عديدة شاهدت الفقر يضرب المدينة بقوة غاشمة، يتغلغل في مفاصلها حتى القاع، رأيته كيف يفترس الناس على الأرصفة وفي الحانات، ومع ذلك فالناس تقاومه بضراوة، لم تستسلم له، فعلى الرغم من الظروف المعيشية الخانقة، إلا أنني لم أشاهد طيلة زيارتي اثنين يتشاجران على قارعة الطريق! كانت روح غاندي حاضرة بقوة، تجولت بالمدينة توقفت في باب الهند ذلك المكان التاريخي العريق حيث وقف المناضل غاندي، عندما ولى وجهه إلى وجدان الشعب الهندي في نداء أسطوري عميق يدعوهم باسم الأمة الهندية، للتسامح والسلام ونبذ العنصرية والكراهية، حتى غرسها في وجدان الشعب الهندي وروح الإنسان الهندي المسالم.

لفت نظري فتاة بوذية جميلة تقف على الطرف الآخر من باب الهند تبيع قطع حلوى للمارة، وعندما لا تجد من تبيع له تقرأ في كتاب لا تهدر شيئاً من وقتها اتجهت لها واشتريت قطعة حلوى، ترددت على هذه البوذية عدة مرات، كانت تبتسم وهي تناولني قطعة الحلوى. وهذا يعني أن الشعور الإنساني يتخطى كل الحواجز والثقافات. غادرت بومباي وفي الذاكرة مواقف وذكريات لا تنسى أولها بائعة الحلوى.